اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

مدارج السالكين - ط الكتاب العربي

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
مدارج السالكين - ط الكتاب العربي - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
[الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ التَّوَرُّعُ عَنْ كُلِّ دَاعِيَةٍ تَدْعُو إِلَى شَتَاتِ الْوَقْتِ]
وَقَالَ: الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ: التَّوَرُّعُ عَنْ كُلِّ دَاعِيَةٍ تَدْعُو إِلَى شَتَاتِ الْوَقْتِ. وَالتَّعَلُّقِ بِالتَّفَرُّقِ. وَعَارِضٍ يُعَارِضُ حَالَ الْجَمْعِ.
الْفَرْقُ بَيْنَ شَتَاتِ الْوَقْتِ، وَالتَّعَلُّقِ بِالتَّفَرُّقِ: كَالْفَرْقِ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبِّبِ، وَالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ. فَإِنَّهُ يَتَشَتَّتُ وَقْتَهُ. فَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنَ التَّعَلُّقِ بِمَا سِوَى مَطْلُوبِهِ الْحَقِّ. إِذْ لَا تَعْطِيلَ فِي النَّفْسِ وَلَا فِي الْإِرَادَةِ. فَمَنْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مُرَادَهُ أَرَادَ مَا سِوَاهُ.
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ وَحْدَهُ مَعْبُودَهُ عَبَدَ مَا سِوَاهُ. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ لِلَّهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْمَلَ لِغَيْرِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا.
فَالْمُخْلِصُ يَصُونُهُ اللَّهُ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَإِرَادَةِ وَجْهِهِ وَخَشِيَتِهِ وَحْدَهُ، وَرَجَائِهِ وَحْدَهُ، وَالطَّلَبِ مِنْهُ، وَالذُّلِّ لَهُ، وَالِافْتِقَارِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ.
وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَعْلَى مِنَ الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ: لِأَنَّ أَرْبَابَهَا اشْتَغَلُوا بِحِفْظِ الصِّيَانَةِ مِنَ الْكَدَرِ وَمُلَاحَظَتِهَا. وَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ: تَفَرُّقٌ عَنِ الْحَقِّ. وَاشْتِغَالٌ عَنْ مُرَاقَبَتِهِ بِحَالِ نُفُوسِهِمْ. فَأَدَبُ أَهْلِ هَذِهِ أَدَبُ حُضُورٍ، وَأَدَبُ أُولَئِكَ أَدَبُ غَيْبَةٍ.
وَأَمَّا " الْوَرَعُ عَنْ كُلِّ حَالٍ يُعَارِضُ حَالَ الْجَمْعِ ".
فَمَعْنَاهُ أَنْ يَسْتَغْرِقَ الْعَبْدُ شُهُودَ فَنَائِهِ فِي التَّوْحِيدِ، وَجَمْعِيَّتَهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ عَنْ كُلِّ حَالٍ يُعَارِضُ هَذَا الْفَنَاءَ وَالْجَمْعِيَّةَ.
وَهَذَا عِنْدَ الشَّيْخِ لَمَّا كَانَ هُوَ الْغَايَةُ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا مَطْلَبٌ جَعَلَ كُلَّ حَالٍ يُعَارِضُهَا وَيَقْطَعُ عَنْهَا نَاقِصًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا. فَالرَّغْبَةُ عَنْهُ غَيْرُ وَرَعِ صَاحِبِهَا. وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ. وَأَنَّ فَوْقَ هَذَا مَقَامٌ أَرْفَعُ مِنْهُ وَأَعْلَى. وَهُوَ الْوَرَعُ عَنْ كُلِّ حَظٍّ يُزَاحِمُ مُرَادَهُ مِنْكَ، وَلَوْ كَانَ الْحَظُّ فَنَاءً وَجَمْعِيَّةً، أَوْ كَائِنًا مَا كَانَ. وَبَيَّنَّا أَنَّ الْفَنَاءَ وَالْجَمْعِيَّةَ حَظُّ الْعَبْدِ. وَأَنَّ حَقَّ الرَّبِّ وَرَاءَ ذَلِكَ. وَهُوَ الْبَقَاءُ بِمُرَادِهِ فَرْقًا وَجَمْعًا بِهِ وَلَهُ.
وَعَلَى هَذَا فَالْوَرِعُ الْخَاصُّ: الْوَرِعُ عَنْ كُلِّ حَالٍ يُعَارِضُ حَالَ الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ، وَالْبَقَاءِ بِهِ فَرْقًا وَجَمْعًا. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

[فَصْلٌ الْخَوْفُ يُثْمِرُ الْوَرَعَ]
فَصْلٌ
الْخَوْفُ يُثْمِرُ الْوَرَعَ وَالِاسْتِعَانَةَ وَقِصَرَ الْأَمَلِ. وَقُوَّةُ الْإِيمَانِ بِاللِّقَاءِ تُثْمِرُ الزُّهْدَ. وَالْمَعْرِفَةُ تُثْمِرُ الْمَحَبَّةَ وَالْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ. وَالْقَنَاعَةُ تُثْمِرُ الرِّضَاءَ. وَالذِّكْرُ يُثْمِرُ حَيَاةَ الْقَلْبِ.
29
المجلد
العرض
99%
الصفحة
29
(تسللي: 523)