اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

مدارج السالكين - ط الكتاب العربي

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
مدارج السالكين - ط الكتاب العربي - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
الدَّالِّ عَلَى الْآخَرِ. فَكَأَنَّهُ قِيلَ: بَتِّلْ نَفْسَكَ إِلَى اللَّهِ تَبْتِيلًا، وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبَتُّلًا. فَفُهِمَ الْمَعْنَيَانِ مِنَ الْفِعْلِ وَمَصْدَرِهِ. وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ. وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الِاخْتِصَارِ وَالْإِيجَازِ.
قَالَ صَاحِبُ " الْمَنَازِلِ ":
التَّبَتُّلُ الِانْقِطَاعُ إِلَى اللَّهِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤] أَيِ التَّجْرِيدِ الْمَحْضِ.
وَمُرَادُهُ بِالتَّجْرِيدِ الْمَحْضِ التَّبَتُّلُ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْأَعْوَاضِ. بِحَيْثُ لَا يَكُونُ الْمُتَبَتِّلُ كَالْأَجِيرِ الَّذِي لَا يَخْدِمُ إِلَّا لِأَجْلِ الْأُجْرَةِ. فَإِذَا أَخَذَهَا انْصَرَفَ عَنْ بَابِ الْمُسْتَأْجِرِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ. فَإِنَّهُ يَخْدِمُ بِمُقْتَضَى عُبُودِيَّتِهِ، لَا لِلْأُجْرَةِ. فَهُوَ لَا يَنْصَرِفُ عَنْ بَابِ سَيِّدِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ آبِقًا. وَالْآبِقُ قَدْ خَرَجَ مِنْ شَرَفِ الْعُبُودِيَّةِ. وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ إِطْلَاقُ الْحُرِّيَّةِ. فَصَارَ بِذَلِكَ مَرْكُوسًا عِنْدَ سَيِّدِهِ وَعِنْدَ عَبِيدِهِ. وَغَايَةُ شَرَفِ النَّفْسِ دُخُولُهَا تَحْتَ رِقِّ الْعُبُودِيَّةِ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا وَمَحَبَّةً، لَا كَرْهًا وَقَهْرًا. كَمَا قِيلَ:
شَرَفُ النُّفُوسِ دُخُولُهَا فِي رِقِّهِمْ ... وَالْعَبْدُ يَحْوِي الْفَخْرَ بِالتَّمْلِيكِ
وَالَّذِي حَسُنَ اسْتِشْهَادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤] فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: إِرَادَةُ هَذَا الْمَعْنَى. وَأَنَّهُ تَعَالَى صَاحِبُ دَعْوَةِ الْحَقِّ لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ. وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ لِدَاعِيهِ بِهَا ثَوَابًا. فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهَا لِذَاتِهِ. فَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ، وَيُدْعَى وَحْدَهُ، وَيُقْصَدَ وَيُشْكَرَ وَيُحْمَدَ، وَيُحَبَّ وَيُرْجَى وَيُخَافَ، وَيُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَيُسْتَعَانَ بِهِ، وَيُسْتَجَارَ بِهِ، وَيُلْجَأَ إِلَيْهِ، وَيُصْمَدَ إِلَيْهِ. فَتَكُونُ الدَّعْوَةُ الْإِلَهِيَّةُ الْحَقُّ لَهُ وَحْدَهُ.
وَمَنْ قَامَ بِقَلْبِهِ هَذَا - مَعْرِفَةً وَذَوْقًا وَحَالًا - صَحَّ لَهُ مَقَامُ التَّبَتُّلِ، وَالتَّجْرِيدِ الْمَحْضِ. وَقَدْ فَسَّرَ السَّلَفُ دَعْوَةَ الْحَقِّ بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهِ وَالصِّدْقِ. وَمُرَادُهُمْ هَذَا الْمَعْنَى.
فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: دَعْوَةُ الْحَقِّ التَّوْحِيدُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: الدُّعَاءُ بِالْإِخْلَاصِ. وَالدُّعَاءُ الْخَالِصُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ. وَدَعْوَةُ الْحَقِّ دَعْوَةُ الْإِلَهِيَّةِ وَحُقُوقُهَا وَتَجْرِيدُهَا وَإِخْلَاصُهَا.

[دَرَجَاتُ التَّبَتُّلِ]
[الدَّرَجَةُ الْأُولَى تَجْرِيدُ الِانْقِطَاعِ عَنِ الْحُظُوظِ وَاللُّحُوظِ إِلَى الْعَالَمِ]
قَالَ: وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ. الدَّرَجَةُ الْأُولَى: تَجْرِيدُ الِانْقِطَاعِ عَنِ الْحُظُوظِ
31
المجلد
العرض
100%
الصفحة
31
(تسللي: 525)