اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

مدارج السالكين - ط الكتاب العربي

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
مدارج السالكين - ط الكتاب العربي - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
فَاعْلَمْ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ لَهُ قَلْبٌ وَقَّادٌ، مَلِيءٌ بِاسْتِخْرَاجِ الْعِبَرِ، وَاسْتِنْبَاطِ الْحِكَمِ، فَهَذَا قَلْبُهُ يُوقِعُهُ عَلَى التَّذَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ، فَإِذَا سَمِعَ الْآيَاتِ كَانَتْ لَهُ نُورًا عَلَى نُورٍ، وَهَؤُلَاءِ أَكْمَلُ خَلْقِ اللَّهِ، وَأَعْظَمُهُمْ إِيمَانًا وَبَصِيرَةً، حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ مُشَاهَدٌ لَهُمْ، لَكِنْ لَمْ يَشْعُرُوا بِتَفَاصِيلِهِ وَأَنْوَاعِهِ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ مَثَلَ حَالِ الصِّدِّيقِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ دَخَلَا دَارًا، فَرَأَى أَحَدُهُمَا تَفَاصِيلَ مَا فِيهَا وَجُزْئِيَّاتِهِ، وَالْآخَرُ وَقَعَتْ يَدُهُ عَلَى مَا فِي الدَّارِ وَلَمْ يَرَ تَفَاصِيلَهُ وَلَا جُزْئِيَّاتِهِ، لَكِنْ عَلِمَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عَظِيمَةً، لَمْ يُدْرِكْ بَصَرُهُ تَفَاصِيلَهَا، ثُمَّ خَرَجَا، فَسَأَلَهُ عَمَّا رَأَى فِي الدَّارِ؟ فَجَعَلَ كُلَّمَا أَخْبَرَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ، لِمَا عِنْدَهُ مِنْ شَوَاهِدِهِ، وَهَذِهِ أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّدِّيقِيَّةِ، وَلَا تَسْتَبْعِدْ أَنْ يَمُنَّ اللَّهُ الْمَنَّانُ عَلَى عَبْدٍ بِمِثْلِ هَذَا الْإِيمَانِ، فَإِنَّ فَضْلَ اللَّهِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ وَلَا حُسْبَانٍ.
فَصَاحِبُ هَذَا الْقَلْبِ إِذَا سَمِعَ الْآيَاتِ وَفِي قَلْبِهِ نُورٌ مِنَ الْبَصِيرَةِ ازْدَادَ بِهَا نُورًا إِلَى نُورِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ مِثْلُ هَذَا الْقَلْبِ فَأَلْقَى السَّمْعَ وَشَهِدَ قَلْبُهُ وَلَمْ يَغِبْ حَصَلَ لَهُ التَّذَكُّرُ أَيْضًا ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥] وَالْوَابِلُ وَالطَّلُّ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ وَآثَارِهَا وَمُوجَبَاتِهَا. وَأَهْلُ الْجَنَّةِ سَابِقُونَ مُقَرَّبُونَ، وَأَصْحَابُ يَمِينٍ، وَبَيْنَهُمَا فِي دَرَجَاتِ التَّفْضِيلِ مَا بَيْنَهُمَا، حَتَّى إِنَّ شَرَابَ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ الصِّرْفَ يَطِيبُ بِهِ شَرَابُ النَّوْعِ الْآخَرِ وَيُمْزَجُ بِهِ مَزْجًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦] فَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَرَى هَذَا، وَلَكِنَّ رُؤْيَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَهُ لَوْنٌ، وَرُؤْيَةَ غَيْرِهِمْ لَهُ لَوْنٌ آخَرُ.
قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ: أَبْنِيَةُ التَّذَكُّرِ ثَلَاثَةٌ: الِانْتِفَاعُ بِالْعِظَةِ، وَالِاسْتِبْصَارُ بِالْعِبْرَةِ، وَالظَّفَرُ بِثَمَرَةِ الْفِكْرَةِ.
الِانْتِفَاعُ بِالْعِظَةِ: هُوَ أَنْ يَقْدَحَ فِي الْقَلْبِ قَادِحُ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، فَيَتَحَرَّكَ لِلْعَمَلِ، طَلَبًا لِلْخَلَاصِ مِنَ الْخَوْفِ، وَرَغْبَةً فِي حُصُولِ الْمَرْجُوِّ.
وَالْعِظَةُ هِيَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، الْمَقْرُونُ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ.
442
المجلد
العرض
79%
الصفحة
442
(تسللي: 414)