اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

التلخيص الحبير - ط العلمية

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني
التلخيص الحبير - ط العلمية - أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني
................................................................................
_________
= أما الذين ذهبوا إلى أن موجب الحمل هو اللغة مطلقًا، فقد استدلوا على مذهبهم بأن حمل المطلق على المقيد أسلوب من أساليب أهل اللغة؛ لأن العرب تحذف وتثبت في كلامها اعتمادًا على ما هو مثبت في الكلام، وذلك نحو ما جاء من قول قيس بن الخطيم [المنسرح]:
نحن بما عندنا وأنت بما … عندك رأض والرأي مختلف
فنرى أن الشاعر هنا قد حذف كلمة "راضون" في صدر البيت؛ لدلالة قوله في العجز "راض" على المحذوف، فالشاعر يريد أن يقول: نحن بما عندنا راضون، فحذف خبر المبتدأ "نحن" واكتفى بذكر خبر المبتدأ "أنت "؛ ليدل على خبر المبتدأ "نحن".
ومن أمثلة ذلك قول عمرو بن أحمد الباهلي [الطويل]:
رماني بأمر كنت منه ووالدي … بريئًا ومن أجل الطوي رماني
حيث حذف الشاعر هنا كلمة "بأمر" في عجز البيت؟ لدلالة الصدر عليه، فهو يريد أن يقول: من أجل الطوي رماني بأمر.
قالمستقرىء لأساليب العرب، يلمح بوضوح أن الحذف إنما تستعمله العرب إذا دل دليل لفظي، أو غير لفظي على مراد المتكلم، والقرآن الكريم ذاخر بالشواهد والنماذج على ذلك، جريًا على أساليب العرب.
مثال ذلك قول الله ﷿: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] أي: من عمل صالحًا فعمله لنفسه، ومن أساء فإساءته على نفسه، ومن ذلك أيضًا قوله ﷿: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] أي: واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر.
وأما علماء الشافعية الذين ذهبوا إلى وجوب حمل المطلق على المقيد في صورة تعدد الحكم دون الحادثة، تنازعوا في موجب الحمل، فقد ذهبت طائفة منهم إلى أن موجب الحمل هو اللغة، من غير نظر إلى قياس أو دليل، وجعلوه من باب المحذوف، فإن أهل اللسان العربي يحذفون القيد في موضع، استنادًا على دلالة ذكره في موضع آخر من الكلام، مثال ذلك في قوله ﷿: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] أي: والحافظات لها، ومثله أيضًا قوله ﷿: ﴿والذَّاكرينَ اللَّه كثيرًا والذَّاكراتِ﴾ [لأحزاب: ٣٥] أي: والذاكرات الله كثيرًا، فقد دل عليه ما سبق.
وقد رد هنا بأن المراد بالآية الكريمة: "والذاكرات الله " حيث انصرف الكلام إلى ذكر الله مطلقًا، فلا يتأتى تقييده بصرفه إلى جميع أنواع الذكر؛ لأن الخطاب إنما ورد في سياق المدح لهن وإرشادهن إلى ذكر الله مطلقًا بغير قيد.
ومما ينبغي أن نذكره هنا أن طائفة من الفقهاء ينكرون حصل المطلق على المقيد من جهة اللغة، ودللوا على ذلك بأن إطلاق المطلق يستلزم الأمر به وإيقاعه دون غيره، فلو قلنا بتقييده باللفظ المقيد، لكان من الواجب أن يكون بين المطلق والمقيد صلة، وإلا فإن تقييده ليس بأولى من إطلاقه، وترجع الصلة بين المطلق والمقيد إلى اللفظ أو الحكم، أما صلة اللفظ فإنما تكون بالعطف أو الإضمار، وان صلة كهذه غير موجودة بين المطلق والمقيد، بينما الصلة التى مرجعها الحكم فهي قسمان:
الأول: أن يتفق المطلق والمقيد في علة تقييد الحكم فيهما بالصفة، ولا علاقة لهذا بالتقييد باللفظ؛ لأنه من باب التقييد بالقياس.
الثاني: أن يكون الحكم فيهما مقيدًا في كفارة، غير مقيد في كفارة أخرى مانعًا من التعبد، فإن المصلحة قد تكون بإيجاب التقييد فيهما، وقد تكون المصلحة في اختلافهما بذلك التقييد، فلو........=
155
المجلد
العرض
25%
الصفحة
155
(تسللي: 174)