الفواح العطر في تزكية التفكر والذكر - صلاح أبو الحاج
المبحث الثاني ذكر الموت وطول الأمل
وإن المنهمك في الدنيا المكب على غرورها المحب لشهواتها يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت، فلا يذكره وإذا ذكر به كرهه ونفر منه، أولئك هم الذين قال الله فيهم: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون} [الجمعة:8].
ثم الناس إما منهمك وإما تائب مبتدئ أو عارف منته، أما المنهمك فلا يذكر الموت وإن ذكره فيذكره للتأسف على دنياه ويشتغل بمذمته وهذا يزيده ذكر الموت من الله بعداً.
وأما التائب فإنه يكثر من ذكر الموت لينبعث به من قلبه الخوف والخشية، فيفي بتمام التوبة وربما يكره الموت خيفة من أن يختطفه قبل تمام التوبة وقبل إصلاح الزاد، وهو معذور في كراهة الموت، ولا يدخل هذا حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كَره لقاء الله كَره الله لقاءه» (¬1)، فإن هذا ليس يكره الموت ولقاء الله، وإنما يخاف فوت لقاء الله تعالى لقصوره وتقصيره، وهو كالذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلاً بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه، فلا يعد كارهاً للقائه.
وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له لا شغل له سواه، وإلا التحق بالمنهمك في الدنيا.
وأما العارف فإنه يذكر الموت دائماً؛ لأنه موعد لقائه لحبيبه، والمحب لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب، وهذا في غالب الأمر يستبطئ مجيء الموت
¬__________
(¬1) متفق عليه، كما في الإحياء4: 449.
ثم الناس إما منهمك وإما تائب مبتدئ أو عارف منته، أما المنهمك فلا يذكر الموت وإن ذكره فيذكره للتأسف على دنياه ويشتغل بمذمته وهذا يزيده ذكر الموت من الله بعداً.
وأما التائب فإنه يكثر من ذكر الموت لينبعث به من قلبه الخوف والخشية، فيفي بتمام التوبة وربما يكره الموت خيفة من أن يختطفه قبل تمام التوبة وقبل إصلاح الزاد، وهو معذور في كراهة الموت، ولا يدخل هذا حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كَره لقاء الله كَره الله لقاءه» (¬1)، فإن هذا ليس يكره الموت ولقاء الله، وإنما يخاف فوت لقاء الله تعالى لقصوره وتقصيره، وهو كالذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلاً بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه، فلا يعد كارهاً للقائه.
وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له لا شغل له سواه، وإلا التحق بالمنهمك في الدنيا.
وأما العارف فإنه يذكر الموت دائماً؛ لأنه موعد لقائه لحبيبه، والمحب لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب، وهذا في غالب الأمر يستبطئ مجيء الموت
¬__________
(¬1) متفق عليه، كما في الإحياء4: 449.