المنافع في شرح الفقه النافع - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
كتاب الطهارات
وعند الشافعي رحمه الله: النَّية في الوضوء فرض، كما هو فَرضٌ في التيمم؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى».
وعندنا مستحب؛ لقولهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لا صَلاةَ إلا بالطهارة»، وقد حصلت الطهارة بدون النية؛ لأنَّ الله تعالى سَمَّى الماء طهورًا مُطلقا، فمن وقف إعماله على اشتراط النية فقد خالف النَّص.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: لأن عند الشافعي رحمه الله: النية في الوضوء فرض وتأثيره: أن الأداء على وجه لا شبهة فيه أولى من الأداء على وجه فيه شُبهة، والنيه وإن لم تكن فرضا عندنا فهي فرض عنده؛ لدليل لاح له، وإن لم يثبت مقتضى دليله، لكن يُورِثُ شبهة؛ إذ هي دلالة الدليل مع تخلف المدلول، وهذا معنى قول المشايخ: احترازا عن الوقوع في الخلاف.
أو يُقالُ: لَمَّا تحقق الاختلاف فيه فقلنا بالاستحباب؛ ليكون باعنا له على الإتيان؛ ليخرج عن العهدة بيقين.
قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الأعمال بالنيات»: يُحتمل أن يكون هذا الحديثُ حُجَّةٌ للشافعي رحمه اللهُ، وَيَدُلُّ عليه: أنه لم يُذكر في بعض النسخ: وعندنا: مُستحب.
ووجه التمسك على هذا ظاهر؛ لأنه يقتضي أن تكون جميع الأعمال مُلصَقًا بالنية، إما حقيقة أو حكمًا، والأول ليس بمراد؛ لوجودها حسا بدون النية ...
والحكم نوعان: حُكمُ الدُّنيا، وهو الجَوازُ، وحكم العقبى، وهو الثواب ومسمّى الحكم يَسْمَلُهما، فيكونان مُرادين، غاية الأمر أن يُقال: إنهما مختلفان والحكم ثبت بطريق الاقتضاء ولا عموم له، لكن المقتضى له عموم عنده.
أو يُقالُ: المراد به اعتبار الأعمال بالنيات، والأعمال بالنيات معتبرة، كما في قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: الطَّلاقُ بالرجال»، ولم يرد به اعتبارها حقيقةً؛ لِما ذكرنا، فتَعيَّن اعتبارها شرعًا، واعتبارها شرعا إنما يكون بالنية.
ويُحتمل أن يكونَ حُجَّةً لنا، ويَدلُّ عليه: أنه ذكر في عامة النسخ: وعندنا: مستحب، فلولا أن المراد هذا لما أعاد.
ثم نقول: لما كان المُراد به: حكم الأعمال بالنيات، وهو نوعان: الجواز، وهو حكم الدُّنيا، والثواب، وهو حكم العقبى، وهما مختلفان؛ لأن الجواز يتعلَّق بركنه وشرطه، والثواب يتعلق بصحة عزيمته، وهو الإخلاص؛ فإن من توضأ بماء نجس ولم يعلم به حتى صلّى ومضى على ذلك، ولم يكن مقصرًا: لم يجز في الحكم؛ لفقد شرطه، واستحق الثَّوابَ؛ لصحة عزيمته، وإذا صلّى رياء وسمعة: يجوز في الحكم، ولم يستحق الثواب؛ لفقد الإخلاص.
وإذا صارا مختلفين صار الاسم بعد صيرورته مجازًا مشتركا، فلا يجوز أن يكونا مرادين، وإنما يُراد به أحَدُهما إذا دَلَّ الدَّليل، كما هو الحكم في سائر الأسماء المشتركة، وقد دل الدليل على إرادة الثواب، وهو الإجماع، فسقط الآخر من أن يكون مرادا.
أو يُقال: ثبوت الحكم بهذا الطريق يكون بطريق الاقتضاء؛ إذ هو جعل غير المذكور مذكورًا تصحيحا للمذكور، ولا عُموم له؛ لأنه من صفات النظم، وهو غير منظوم، وتَمامُه يُعرَفُ في موضعه، وقد أريد به الثواب إجماعا، فتنحى الآخر.
وإذا ثبت بما ذكرنا أنه غير متعرض للجواز، بل هو متعرض للثواب .. فيكون
دالا على أن النية مرغوب فيها استجلابا للثواب، فيكون مُستحبا.
أو يُقال: المراد به: إما جوازُ الأعمال، أو فضيلتها، ولا يجوز أن يكون الأول مرادًا؛ لأنه يُؤدِّي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد؛ لأن الله تعالى أمر بغسل هذه الأعضاء مطلقا، ولأن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّم الأعرابي الوضوء ولم يذكر النية فلو كانت واجبة لبينها، فتعين الثاني (6).
فإن قيل: الوضوء طهارة شرعية؛ لعدم النجاسة على الأعضاء حقيقة وحكما فلا يحصل بدون النية، كالتيمم.
أو يُقال: إنه عبادة، لأنه فعل يأتي به العبد باختياره تعظيما الله تعالى، ويُثاب عليه، فلا ينفعل بدون النية.
قلنا: أعضاء الوضوء محكومة بكونها نجسةً؛ لأنه أمر بالتطهير، وهو لا يتحقق بدون النجاسة، والماء طهور بطبعه، فإذا لاقى النَّجِسَ طَهَّره، قصد به أو لا كالماء والطعام في الإرواء والإشباع، والوضوء شرع عبادة وغير عبادة، فما شرع عبادة يفتقر إلى النية، وما لا فلا.
وإنما شرطت النية في التيمم: لأن التراب لم يُعقل مُطهرا إلا في حال إرادة قربة مخصوصة، وبعد صحة الإرادة يستغنى عن النية.
فالشافعي رَحِمَهُ اللهُ نَظَر إلى المحل، ونحن نظرنا إلى الآلة.
وعندنا مستحب؛ لقولهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لا صَلاةَ إلا بالطهارة»، وقد حصلت الطهارة بدون النية؛ لأنَّ الله تعالى سَمَّى الماء طهورًا مُطلقا، فمن وقف إعماله على اشتراط النية فقد خالف النَّص.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: لأن عند الشافعي رحمه الله: النية في الوضوء فرض وتأثيره: أن الأداء على وجه لا شبهة فيه أولى من الأداء على وجه فيه شُبهة، والنيه وإن لم تكن فرضا عندنا فهي فرض عنده؛ لدليل لاح له، وإن لم يثبت مقتضى دليله، لكن يُورِثُ شبهة؛ إذ هي دلالة الدليل مع تخلف المدلول، وهذا معنى قول المشايخ: احترازا عن الوقوع في الخلاف.
أو يُقالُ: لَمَّا تحقق الاختلاف فيه فقلنا بالاستحباب؛ ليكون باعنا له على الإتيان؛ ليخرج عن العهدة بيقين.
قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الأعمال بالنيات»: يُحتمل أن يكون هذا الحديثُ حُجَّةٌ للشافعي رحمه اللهُ، وَيَدُلُّ عليه: أنه لم يُذكر في بعض النسخ: وعندنا: مُستحب.
ووجه التمسك على هذا ظاهر؛ لأنه يقتضي أن تكون جميع الأعمال مُلصَقًا بالنية، إما حقيقة أو حكمًا، والأول ليس بمراد؛ لوجودها حسا بدون النية ...
والحكم نوعان: حُكمُ الدُّنيا، وهو الجَوازُ، وحكم العقبى، وهو الثواب ومسمّى الحكم يَسْمَلُهما، فيكونان مُرادين، غاية الأمر أن يُقال: إنهما مختلفان والحكم ثبت بطريق الاقتضاء ولا عموم له، لكن المقتضى له عموم عنده.
أو يُقالُ: المراد به اعتبار الأعمال بالنيات، والأعمال بالنيات معتبرة، كما في قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: الطَّلاقُ بالرجال»، ولم يرد به اعتبارها حقيقةً؛ لِما ذكرنا، فتَعيَّن اعتبارها شرعًا، واعتبارها شرعا إنما يكون بالنية.
ويُحتمل أن يكونَ حُجَّةً لنا، ويَدلُّ عليه: أنه ذكر في عامة النسخ: وعندنا: مستحب، فلولا أن المراد هذا لما أعاد.
ثم نقول: لما كان المُراد به: حكم الأعمال بالنيات، وهو نوعان: الجواز، وهو حكم الدُّنيا، والثواب، وهو حكم العقبى، وهما مختلفان؛ لأن الجواز يتعلَّق بركنه وشرطه، والثواب يتعلق بصحة عزيمته، وهو الإخلاص؛ فإن من توضأ بماء نجس ولم يعلم به حتى صلّى ومضى على ذلك، ولم يكن مقصرًا: لم يجز في الحكم؛ لفقد شرطه، واستحق الثَّوابَ؛ لصحة عزيمته، وإذا صلّى رياء وسمعة: يجوز في الحكم، ولم يستحق الثواب؛ لفقد الإخلاص.
وإذا صارا مختلفين صار الاسم بعد صيرورته مجازًا مشتركا، فلا يجوز أن يكونا مرادين، وإنما يُراد به أحَدُهما إذا دَلَّ الدَّليل، كما هو الحكم في سائر الأسماء المشتركة، وقد دل الدليل على إرادة الثواب، وهو الإجماع، فسقط الآخر من أن يكون مرادا.
أو يُقال: ثبوت الحكم بهذا الطريق يكون بطريق الاقتضاء؛ إذ هو جعل غير المذكور مذكورًا تصحيحا للمذكور، ولا عُموم له؛ لأنه من صفات النظم، وهو غير منظوم، وتَمامُه يُعرَفُ في موضعه، وقد أريد به الثواب إجماعا، فتنحى الآخر.
وإذا ثبت بما ذكرنا أنه غير متعرض للجواز، بل هو متعرض للثواب .. فيكون
دالا على أن النية مرغوب فيها استجلابا للثواب، فيكون مُستحبا.
أو يُقال: المراد به: إما جوازُ الأعمال، أو فضيلتها، ولا يجوز أن يكون الأول مرادًا؛ لأنه يُؤدِّي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد؛ لأن الله تعالى أمر بغسل هذه الأعضاء مطلقا، ولأن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّم الأعرابي الوضوء ولم يذكر النية فلو كانت واجبة لبينها، فتعين الثاني (6).
فإن قيل: الوضوء طهارة شرعية؛ لعدم النجاسة على الأعضاء حقيقة وحكما فلا يحصل بدون النية، كالتيمم.
أو يُقال: إنه عبادة، لأنه فعل يأتي به العبد باختياره تعظيما الله تعالى، ويُثاب عليه، فلا ينفعل بدون النية.
قلنا: أعضاء الوضوء محكومة بكونها نجسةً؛ لأنه أمر بالتطهير، وهو لا يتحقق بدون النجاسة، والماء طهور بطبعه، فإذا لاقى النَّجِسَ طَهَّره، قصد به أو لا كالماء والطعام في الإرواء والإشباع، والوضوء شرع عبادة وغير عبادة، فما شرع عبادة يفتقر إلى النية، وما لا فلا.
وإنما شرطت النية في التيمم: لأن التراب لم يُعقل مُطهرا إلا في حال إرادة قربة مخصوصة، وبعد صحة الإرادة يستغنى عن النية.
فالشافعي رَحِمَهُ اللهُ نَظَر إلى المحل، ونحن نظرنا إلى الآلة.