اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط دار القلم

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط دار القلم - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
كَلِمَةً، وَالْكَلِمَةُ لَمْ تَزَلِ اللَّهَ، وَاللَّهُ هُوَ الْكَلِمَةُ، فَذَاكَ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ وَعَايَنَّهُ النَّاسُ وَكَانَ بَيْنَهُمْ هُوَ اللَّهُ، وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ وَهُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ.
هَذِهِ أَلْفَاظُهُمْ، قَالُوا: فَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هُوَ الَّذِي عَايَنَهُ النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ وَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَهُوَ الَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وَخَاطَبَ النَّاسَ مِنْ بَطْنِهَا، حَيْثُ قَالَ لِلْأَعْمَى: أَنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ؟ قَالَ الْأَعْمَى: وَمَنْ هُوَ حَتَّى أُؤْمِنَ بِهِ؟ قَالَ: هُوَ الْمُخَاطِبُ لَكَ. فَقَالَ: آمَنْتُ بِكَ وَخَرَّ سَاجِدًا.
قَالُوا: فَالَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ هُوَ اللَّهُ، وَابْنُ اللَّهِ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ، قَالُوا: وَهُوَ الَّذِي وُلِدَ وَرَضَعَ وَفُطِمَ وَأُخِذَ وَصُلِبَ وَصُفِعَ وَكُتِّفَتْ يَدَاهُ وَسُمِّرَ فِي وَجْهِهِ وَمَاتَ وَدُفِنَ وَذَاقَ أَلَمَ الصَّلْبِ وَالتَّسْمِيرِ وَالْقَتْلِ لِأَجْلِ خَلَاصِ النَّصَارَى مِنْ خَطَايَاهُمْ.
قَالُوا: وَلَيْسَ الْمَسِيحُ عِنْدَ طَوَائِفِنَا الثَّلَاثَةِ بِنَبِيٍّ وَلَا عَبْدٍ صَالِحٍ بَلْ هُوَ رَبُّ الْأَنْبِيَاءِ، وَخَالِقُهُمْ وَبَاعِثُهُمْ وَمُرْسِلُهُمْ وَنَاصِرُهُمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ وَرَبُّ الْمَلَائِكَةِ.
قَالُوا: وَلَيْسَ مَعَ أُمِّهِ بِمَعْنَى الْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَاللُّطْفِ وَالْمَعُونَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لَهَا بِذَلِكَ مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ الْإِنَاثِ وَلَا الْحَيَوَانَاتِ، وَلَكِنَّهُ مَعَهَا بِحَبَلِهَا بِهِ وَاحْتِوَاءِ بَطْنِهَا عَلَيْهِ، فَلِهَذَا فَارَقَتْ جَمِيعَ إِنَاثِ الْحَيَوَانِ، وَفَارَقَ ابْنُهَا جَمِيعَ الْخَلْقِ، فَصَارَ اللَّهُ وَابْنُهُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَحَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وَوَلَدْتُهُ إِلَهًا وَاحِدًا وَمَسِيحًا وَاحِدًا، وَرَبًّا وَاحِدًا، وَخَالِقًا وَاحِدًا، لَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَلَا يَبْطَلُ الِاتِّحَادُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لَا فِي حَبَلٍ، وَلَا فِي وِلَادَةٍ، وَلَا فِي حَالِ نَوْمٍ، وَلَا مَرَضٍ، وَلَا صَلْبٍ، وَلَا مَوْتٍ، وَلَا دَفْنٍ، بَلْ هُوَ مُتَحِدٌ بِهِ فِي حَالِ الْحَبَلِ، فَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ مَسِيحٌ وَاحِدٌ، وَخَالِقٌ وَاحِدٌ، وَإِلَهٌ وَاحِدٌ، وَرَبٌّ وَاحِدٌ، وَفِي حَالِ الْوِلَادَةِ كَذَلِكَ، وَفِي حَالِ الصَّلْبِ وَالْمَوْتِ كَذَلِكَ، قَالُوا: فَمِنَّا مَنْ يُطْلِقُ فِي لَفْظِهِ وَعِبَارَتِهِ حَقِيقَةَ هَذَا الْمَعْنَى فَيَقُولُ: مَرْيَمُ حَبِلَتْ بِالْإِلَهِ، وَوَلَدَتِ الْإِلَهَ، وَمَاتَ الْإِلَهُ، وَمِنَّا
490
المجلد
العرض
46%
الصفحة
490
(تسللي: 274)