اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط دار القلم

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط دار القلم - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَشَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ الطَّاهِرَةِ الصِّدِّيقَةِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي زَمَانِهَا، وَقَرَّرَ مُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ وَآيَاتِهِ، وَأَخْبَرَ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى بِتَخْلِيدِ مَنْ كَفَرَ بِالْمَسِيحِ فِي النَّارِ، وَأَنَّ رَبَّهُ تَعَالَى أَكْرَمَ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ وَنَزَّهَهُ وَصَانَهُ أَنْ يَنَالَ إِخْوَانُ الْقِرَدَةِ أُمَّةُ الْغَضَبِ مِنْهُ مَا زَعَمَتْهُ النَّصَارَى أَنَّهُمْ نَالُوهُ مِنْهُ، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا لَمْ يَشُكْهُ أَعْدَاؤُهُ بِشَوْكَةٍ، وَلَا نَالَتْهُ أَيْدِيهِمْ بِأَذًى، فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَأَسْكَنَهُ سَمَاءَهُ وَسَيُعِيدُهُ إِلَى الْأَرْضِ يَنْتَقِمُ بِهِ مِنْ مَسِيحِ الضَّلَالِ وَأَتْبَاعِهِ، ثُمَّ يَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ بِهِ الْخِنْزِيرَ، وَيُعْلِي بِهِ الْإِسْلَامَ، وَيَنْصُرُ بِهِ مِلَّةَ أَخِيهِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَإِذَا وُضِعَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَسِيحِ فِي كِفَّةٍ، وَقَوْلُ عُبَّادِ الصَّلِيبِ الْمُثَلِّثَةِ فِي كِفَّةٍ، تَبَيَّنَ لِكُلِّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ، مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ، وَأَنَّ تَفَاوُتَهُمَا كَتَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَلَوْلَا مُحَمَّدٌ ﷺ لَمَا عَرَفْنَا أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ الَّذِي هُوَ رَسُولُ اللَّهِ وَعَبْدُهُ وَكَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ مَوْجُودٌ أَصْلًا، فَإِنَّ هَذَا الْمَسِيحَ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْيَهُودُ مِنْ شَرَارِ خَلْقِ اللَّهِ لَيْسَ بِمَسِيحِ الْهُدَى. وَالَّذِي أَثْبَتَهُ النَّصَارَى مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي عَقْلٍ وَلَا فِطْرَةٍ. وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْوُجُودِ أَعْظَمَ اسْتِحَالَةٍ، وَلَوْ أَمْكَنَ وَجُودَهُ لَبَطَلَتْ أَدِلَّةُ الْعُقُولِ، وَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ ثِقَةٌ بِمَعْقُولٍ أَصْلًا، فَإِنَّ اسْتِحَالَةَ وَجُودِهِ فَوْقَ اسْتِحَالَةِ جَمِيعِ الْمُحَالَاتِ، وَلَوْ صَحَّ مَا يَقُولُونَ لَبَطَلَ الْعَالَمُ وَاضْمَحَلَّتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَعَدِمَتِ الْمَلَائِكَةُ وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْثٌ وَلَا نُشُورٌ وَلَا جَنَّةٌ وَلَا نَارٌ.
وَلَا يُسْتَعْجَبُ مِنْ إِطْبَاقِ أُمَّةِ الضَّلَالِ، الَّذِينَ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُمْ أَضَلُّ مِنَ الْأَنْعَامِ عَلَى ذَلِكَ، فَكُلُّ بَاطِلٍ فِي الْوُجُودِ يُنْسَبُ إِلَى أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ فَإِنَّهَا مُطْبِقَةٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ
538
المجلد
العرض
54%
الصفحة
538
(تسللي: 322)