اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ط العلمية

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
إعلام الموقعين عن رب العالمين - ط العلمية - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
الْمُنَافِقِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَظِّهِمْ مِنْ الْوَحْيِ وَأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اسْتَوْقَدَ نَارًا لِتُضِيءَ لَهُ وَيَنْتَفِعَ بِهَا، وَهَذَا لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ فَاسْتَضَاءُوا بِهِ، وَانْتَفَعُوا بِهِ، وَآمَنُوا بِهِ، وَخَالَطُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِصُحْبَتِهِمْ مَادَّةً مِنْ قُلُوبِهِمْ مِنْ نُورِ الْإِسْلَامِ طَفِئَ عَنْهُمْ، وَذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ، وَلَمْ يَقُلْ بِنَارِهِمْ؛ فَإِنَّ النَّارَ فِيهَا الْإِضَاءَةُ وَالْإِحْرَاقُ، فَذَهَبَ اللَّهُ بِمَا فِيهَا مِنْ الْإِضَاءَةِ، وَأَبْقَى عَلَيْهِمْ مَا فِيهَا مِنْ الْإِحْرَاقِ، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ، فَهَذَا حَالُ مَنْ أَبْصَرَ ثُمَّ عَمِيَ، وَعَرَفَ ثُمَّ أَنْكَرَ، وَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ فَارَقَهُ بِقَلْبِهِ، فَهُوَ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] ثُمَّ ذَكَرَ حَالَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَثَلِ الْمَائِيِّ، فَشَبَّهَهُمْ بِأَصْحَابِ صَيِّبٍ - وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يُصَوَّبُ أَيْ يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ - فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ، فَلِضَعْفِ بَصَائِرِهِمْ وَعُقُولِهِمْ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ زَوَاجِرُ الْقُرْآنِ وَوَعِيدُهُ وَتَهْدِيدُهُ وَأَوَامِرُهُ وَنَوَاهِيهِ وَخِطَابُهُ الَّذِي يُشْبِهُ الصَّوَاعِقَ، فَحَالُهُمْ كَحَالِ مَنْ أَصَابَهُ مَطَرٌ فِيهِ ظُلْمَةٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ، فَلِضَعْفِهِ وَخَوْرِهِ جَعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَغَمَضَ عَيْنَيْهِ خَشْيَةً مِنْ صَاعِقَةٍ تُصِيبُهُ، وَقَدْ شَاهَدْنَا نَحْنُ وَغَيْرُنَا كَثِيرًا مِنْ مَخَانِيثِ تَلَامِيذِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُبْتَدِعَةِ إذَا سَمِعُوا شَيْئًا مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ الْمُنَافِيَةِ لِبِدْعَتِهِمْ رَأَيْتُهُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ.
وَيَقُولُ مُخَنَّثُهُمْ: سُدُّوا عَنَّا هَذَا الْبَابَ، وَاقْرَءُوا شَيْئًا غَيْرَ هَذَا، وَتَرَى قُلُوبَهُمْ مُوَلِّيَةٌ وَهُمْ يَجْمَحُونَ لِثِقَلِ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ ﷾ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى عُقُولِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى اخْتِلَافِ شِرْكِهِمْ، إذَا جُرِّدَ لَهُمْ التَّوْحِيدُ وَتُلِيَتْ عَلَيْهِمْ النُّصُوصُ الْمُبْطِلَةُ لِشِرْكِهِمْ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُهُمْ، وَثَقُلَتْ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ وَجَدُوا السَّبِيلَ إلَى سَدِّ آذَانِهِمْ لَفَعَلُوا، وَلِذَلِكَ تَجِدُ أَعْدَاءَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إذَا سَمِعُوا نُصُوصَ الثَّنَاءِ عَلَى الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَصِحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ جِدًّا، وَأَنْكَرَتْهُ قُلُوبُهُمْ؛ وَهَذَا كُلُّهُ شَبَهٌ ظَاهِرٌ، وَمَثَلٌ مُحَقَّقٌ مِنْ إخْوَانِهِمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فِي الْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُمْ بِالْمَاءِ؛ فَإِنَّهُمْ لَمَّا تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ تَشَابَهَتْ أَعْمَالُهُمْ.
فَصْلٌ
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الْمَثَلَيْنِ الْمَائِيَّ وَالنَّارِيَّ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ، وَلَكِنْ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧] شَبَّهَ الْوَحْيَ الَّذِي أَنْزَلَهُ لِحَيَاةِ الْقُلُوبِ وَالْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ بِالْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلَهُ لِحَيَاةِ الْأَرْضِ بِالنَّبَاتِ، وَشَبَّهَ الْقُلُوبَ بِالْأَوْدِيَةِ، فَقَلْبٌ كَبِيرٌ يَسَعُ عِلْمًا عَظِيمًا كَوَادٍ كَبِيرٍ يَسَعُ مَاءً
117
المجلد
العرض
37%
الصفحة
117
(تسللي: 115)