اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ط العلمية

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
إعلام الموقعين عن رب العالمين - ط العلمية - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
عِلْمَهُمْ بِأَنَّ اتِّخَاذَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ كَالْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا فَلَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَمَا فَعَلُوهُ، وَلَكِنْ ظَنُّوا أَنَّ اتِّخَاذَهُمْ الْأَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ يُفِيدُهُمْ عِزًّا، وَقُدْرَةً، فَكَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ مَا ظَنُّوهُ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ - أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٣٩ - ٤٠] .
ذَكَرَ سُبْحَانَهُ لِلْكَافِرِينَ مَثَلَيْنِ: مَثَلًا بِالسَّرَابِ، وَمَثَلًا بِالظُّلُمَاتِ الْمُتَرَاكِمَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعْرِضِينَ عَنْ الْهُدَى وَالْحَقِّ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ فَيَتَبَيَّنُ لَهُ عِنْدَ انْكِشَافِ الْحَقَائِقِ خِلَافَ مَا كَانَ يَظُنُّهُ، وَهَذِهِ حَالُ أَهْلِ الْجَهْلِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى هُدًى وَعِلْمٍ، فَإِذَا انْكَشَفَتْ الْحَقَائِقُ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى شَيْءٍ، وَأَنَّ عَقَائِدَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا كَانَتْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يُرَى فِي عَيْنِ النَّاظِرِ مَاءً وَلَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَهَكَذَا الْأَعْمَالُ الَّتِي لِغَيْرِ اللَّهِ وَعَلَى غَيْرِ أَمْرِهِ، يَحْسَبُهَا الْعَامِلُ نَافِعَةً لَهُ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَهَذِهِ هِيَ الْأَعْمَالُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ ﷿ فِيهَا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وَتَأَمَّلْ جَعْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ السَّرَابَ بِالْقِيعَةِ - وَهِيَ الْأَرْضُ الْقَفْرُ الْخَالِيَةُ مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ وَالنَّبَاتِ وَالْعَالَمِ - فَمَحَلُّ السَّرَابِ أَرْضُ قَفْرٍ لَا شَيْءَ بِهَا، وَالسَّرَابُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَذَلِكَ مُطَابِقٌ لِأَعْمَالِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ الَّتِي أَقْفَرَتْ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْهُدَى.
وَتَأَمَّلْ مَا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور: ٣٩] وَالظَّمْآنُ الَّذِي قَدْ اشْتَدَّ عَطَشُهُ فَرَأَى السَّرَابَ فَظَنَّهُ مَاءً فَتَبِعَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، بَلْ خَانَهُ أَحْوَجُ مَا كَانَ إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ، لَمَّا كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ عَلَى غَيْرِ طَاعَةِ الرَّسُولِ، وَلِغَيْرِ اللَّهِ جُعِلَتْ كَالسَّرَابِ، فَرَفَعَتْ لَهُمْ أَظْمَأَ مَا كَانُوا وَأَحْوَجَ مَا كَانُوا إلَيْهَا، فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، وَوَجَدُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ ثَمَّ؛ فَجَازَاهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ وَوَفَّاهُمْ حِسَابَهُمْ وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي حَدِيثِ التَّجَلِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ «ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا السَّرَابُ، فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ بْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ بْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ: فَيَقُولُونَ: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ لَهُمْ: اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَهَذِهِ
120
المجلد
العرض
38%
الصفحة
120
(تسللي: 118)