اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ط العلمية

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
إعلام الموقعين عن رب العالمين - ط العلمية - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
هُوَ يَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَهَذَا أَصْلُ ضَلَالِ بَنِي آدَمَ وَشِرْكِهِمْ، وَهُوَ الشِّرْكُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وَهُوَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ جَمِيعَ رُسُلِهِ وَأَنْزَلَ جَمِيعَ كُتُبِهِ بِإِبْطَالِهِ، وَمُحَارَبَةِ أَهْلِهِ وَمُعَادَاتِهِمْ.
فَصْلٌ.
وَأَمَّا الْمَثَلَانِ اللَّذَانِ لِلْمُؤْمِنِينَ فَأَحَدُهُمَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَوَجْهُ الْمَثَلِ أَنَّ اتِّصَالَ الْمُؤْمِنِ بِالْكَافِرِ لَا يَضُرُّهُ شَيْئًا إذَا فَارَقَهُ فِي كُفْرِهِ وَعَمَلِهِ، فَمَعْصِيَةُ الْغَيْرِ لَا تَضُرُّ الْمُؤْمِنَ الْمُطِيعَ شَيْئًا فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ تَضَرَّرَ بِهَا فِي الدُّنْيَا بِسَبَبِ الْعُقُوبَةِ الَّتِي تَحِلُّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ إذَا أَضَاعُوا أَمْرَ اللَّهِ فَتَأْتِي عَامَّةً، فَلَمْ يَضُرَّ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ اتِّصَالُهَا بِهِ وَهُوَ مِنْ أَكْفَرِ الْكَافِرِينَ، وَلَمْ يَنْفَعْ امْرَأَةَ نُوحٍ وَلُوطٍ اتِّصَالُهُمَا بِهِمَا وَهُمَا رَسُولَا رَبِّ الْعَالَمِينَ.
الْمَثَلُ الثَّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ مَرْيَمَ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا، لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ، فَذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ مِنْ النِّسَاءِ: الْمَرْأَةَ الْكَافِرَةَ الَّتِي لَهَا وَصْلَةٌ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ وَالْمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ الَّتِي لَهَا وَصْلَةٌ بِالرَّجُلِ الْكَافِرِ، وَالْمَرْأَةَ الْعَزَبَ الَّتِي لَا وَصْلَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَحَدٍ: فَالْأَوْلَى لَا تَنْفَعُهَا وَصْلَتُهَا وَسَبَبُهَا، وَالثَّانِيَةُ لَا تَضُرُّهَا وَصْلَتُهَا وَسَبَبُهَا، وَالثَّالِثَةُ لَا يَضُرُّهَا عَدَمُ الْوَصْلَةِ شَيْئًا.
ثُمَّ فِي هَذِهِ الْأَمْثَالِ مِنْ الْأَسْرَارِ الْبَدِيعَةِ مَا يُنَاسِبُ سِيَاقَ السُّورَةِ؛ فَإِنَّهَا سِيقَتْ فِي ذِكْرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ تَظَاهُرِهِنَّ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُنَّ إنْ لَمْ يُطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُرِدْنَ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَمْ يَنْفَعْهُنَّ اتِّصَالُهُنَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَمَا لَمْ يَنْفَعْ امْرَأَة نُوحٍ وَلُوط اتِّصَالهمَا بِهِمَا، وَلِهَذَا إنَّمَا ضَرْب فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَثَلَ اتِّصَالَ النِّكَاحِ دُونَ الْقَرَابَةِ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: ضَرَبَ اللَّهُ الْمَثَلَ الْأَوَّلَ يُحَذِّرُ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمَا الْمَثَلَ الثَّانِيَ يُحَرِّضُهُمَا عَلَى التَّمَسُّكِ بِالطَّاعَةِ.
وَفِي ضَرْبِ الْمَثَلِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْيَمَ أَيْضًا اعْتِبَارٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهَا لَمْ يَضُرَّهَا عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا قَذْفُ أَعْدَاءِ اللَّهِ الْيَهُودَ لَهَا، وَنِسْبَتُهُمْ إيَّاهَا وَابْنَهَا إلَى مَا بَرَّأَهُمَا اللَّهُ عَنْهُ، مَعَ كَوْنِهَا الصِّدِّيقَةُ الْكُبْرَى الْمُصْطَفَاةُ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ؛ فَلَا يَضُرُّ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَدْحُ الْفُجَّارِ وَالْفُسَّاقِ فِيهِ.
وَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ إنْ كَانَتْ السُّورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَتَوْطِينِ نَفْسِهَا عَلَى مَا قَالَ فِيهَا الْكَاذِبُونَ إنْ كَانَتْ قَبْلَهَا، كَمَا فِي ذِكْرِ التَّمْثِيلِ بِامْرَأَةِ نُوحٍ وَلُوطٍ تَحْذِيرٌ لَهَا وَلِحَفْصَةَ مِمَّا اعْتَمَدَتَاهُ فِي حَقِّ النَّبِيِّ - ﷺ -؛ فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْأَمْثَالُ التَّحْذِيرَ لَهُنَّ وَالتَّخْوِيفَ، وَالتَّحْرِيضَ لَهُنَّ عَلَى الطَّاعَةِ وَالتَّوْحِيدِ، وَالتَّسْلِيَةِ وَتَوْطِينِ النَّفْسِ لِمَنْ أُوذِيَ مِنْهُنَّ وَكُذِبَ عَلَيْهِ، وَأَسْرَارُ التَّنْزِيلِ فَوْقَ هَذَا وَأَجَلُّ مِنْهُ، وَلَا سِيَّمَا أَسْرَارُ الْأَمْثَالِ الَّتِي لَا يَعْقِلُهَا إلَّا الْعَالِمُونَ.
145
المجلد
العرض
46%
الصفحة
145
(تسللي: 143)