إعلام الموقعين عن رب العالمين - ط العلمية - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يَنْجَبِرُ بِأَنْ يُعْطِيَهُ نَظِيرَ مَا أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ.
قِيلَ: إذَا رَضِيَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَهُوَ كَمَا لَوْ رَضِيَ بِدِيَةِ طَرَفِهِ، فَهَذَا هُوَ مَحْضُ الْقِيَاسِ، وَبِهِ قَالَ الْأَحْمَدَانِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ، قَالَ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ سَعِيدٍ: وَصَاحِبُ الشَّيْءِ يُخَيَّرُ، إنْ شَاءَ شَقَّ الثَّوْبَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِثْلَهُ.
[كَيْفَ يُجْزَى الْجَانِي عَلَى الْعِرْضِ؟]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْجِنَايَةُ عَلَى الْعِرْضِ، فَإِنْ كَانَ حَرَامًا فِي نَفْسِهِ كَالْكَذِبِ عَلَيْهِ وَقَذْفِهِ وَسَبِّ وَالِدَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ بِهِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ سَبَّهُ فِي نَفْسِهِ، أَوْ سَخِرَ بِهِ، أَوْ هَزَأَ بِهِ، أَوْ بَالَ عَلَيْهِ، أَوْ بَصَقَ عَلَيْهِ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ نَظِيرَ مَا فَعَلَ بِهِ مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَسَعَهُ، أَوْ صَفَعَهُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ نَظِيرَ مَا فَعَلَ بِهِ سَوَاءً، وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الْكِتَابِ وَالْمِيزَانِ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ مِنْ التَّعْزِيرِ الْمُخَالِفِ لِلْجِنَايَةِ جِنْسًا وَنَوْعًا وَقَدْرًا وَصِفَةً، وَقَدْ دَلَّتْ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِ مَنْ خَالَفَهَا، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: «أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَرْسَلْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تُكَلِّمُهُ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ، فَأَتَتْهُ فَأَغْلَظَتْ، وَقَالَتْ: إنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِي بِنْتِ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ، فَرَفَعَتْ صَوْتَهَا حَتَّى تَنَاوَلَتْ عَائِشَةَ وَهِيَ قَاعِدَةٌ، فَسَبَّتْهَا، حَتَّى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَيَنْظُرَ إلَى عَائِشَةَ هَلْ تَتَكَلَّمُ، فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ تَرُدُّ عَلَى زَيْنَبَ حَتَّى أَسْكَتَتْهَا، قَالَتْ: فَنَظَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - إلَى عَائِشَةَ وَقَالَ: إنَّهَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ هَذِهِ الْقِصَّةُ، «قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - ﷺ - زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ، وَقَالَتْ: ثُمَّ وَقَعَتْ فِي، فَاسْتَطَالَتْ عَلَيَّ، وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَأَرْقُبُ طَرَفَهُ: هَلْ يَأْذَنُ لِي فِيهَا؟ قَالَتْ: فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ، فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا حَتَّى أَثْخَنْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَتَبَسَّمَ: إنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ»، وَفِي لَفْظٍ فِيهِمَا «لَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أَثْخَنْتُهَا غَلَبَةً» .
وَقَدْ حَكَى اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - عَنْ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ لِإِخْوَتِهِ: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧]:] لَمَّا قَالُوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ [يوسف: ٧٧] ذَلِكَ لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ كِتْمَانَ الْحَالِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ الْأَحَادِيثَ رَأَى ذَلِكَ فِيهَا كَثِيرًا جِدًّا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قِيلَ: إذَا رَضِيَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَهُوَ كَمَا لَوْ رَضِيَ بِدِيَةِ طَرَفِهِ، فَهَذَا هُوَ مَحْضُ الْقِيَاسِ، وَبِهِ قَالَ الْأَحْمَدَانِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ، قَالَ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ سَعِيدٍ: وَصَاحِبُ الشَّيْءِ يُخَيَّرُ، إنْ شَاءَ شَقَّ الثَّوْبَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِثْلَهُ.
[كَيْفَ يُجْزَى الْجَانِي عَلَى الْعِرْضِ؟]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْجِنَايَةُ عَلَى الْعِرْضِ، فَإِنْ كَانَ حَرَامًا فِي نَفْسِهِ كَالْكَذِبِ عَلَيْهِ وَقَذْفِهِ وَسَبِّ وَالِدَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ بِهِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ سَبَّهُ فِي نَفْسِهِ، أَوْ سَخِرَ بِهِ، أَوْ هَزَأَ بِهِ، أَوْ بَالَ عَلَيْهِ، أَوْ بَصَقَ عَلَيْهِ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ نَظِيرَ مَا فَعَلَ بِهِ مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَسَعَهُ، أَوْ صَفَعَهُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ نَظِيرَ مَا فَعَلَ بِهِ سَوَاءً، وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الْكِتَابِ وَالْمِيزَانِ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ مِنْ التَّعْزِيرِ الْمُخَالِفِ لِلْجِنَايَةِ جِنْسًا وَنَوْعًا وَقَدْرًا وَصِفَةً، وَقَدْ دَلَّتْ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِ مَنْ خَالَفَهَا، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: «أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَرْسَلْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تُكَلِّمُهُ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ، فَأَتَتْهُ فَأَغْلَظَتْ، وَقَالَتْ: إنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِي بِنْتِ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ، فَرَفَعَتْ صَوْتَهَا حَتَّى تَنَاوَلَتْ عَائِشَةَ وَهِيَ قَاعِدَةٌ، فَسَبَّتْهَا، حَتَّى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَيَنْظُرَ إلَى عَائِشَةَ هَلْ تَتَكَلَّمُ، فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ تَرُدُّ عَلَى زَيْنَبَ حَتَّى أَسْكَتَتْهَا، قَالَتْ: فَنَظَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - إلَى عَائِشَةَ وَقَالَ: إنَّهَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ هَذِهِ الْقِصَّةُ، «قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - ﷺ - زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ، وَقَالَتْ: ثُمَّ وَقَعَتْ فِي، فَاسْتَطَالَتْ عَلَيَّ، وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَأَرْقُبُ طَرَفَهُ: هَلْ يَأْذَنُ لِي فِيهَا؟ قَالَتْ: فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ، فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا حَتَّى أَثْخَنْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَتَبَسَّمَ: إنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ»، وَفِي لَفْظٍ فِيهِمَا «لَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أَثْخَنْتُهَا غَلَبَةً» .
وَقَدْ حَكَى اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - عَنْ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ لِإِخْوَتِهِ: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧]:] لَمَّا قَالُوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ [يوسف: ٧٧] ذَلِكَ لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ كِتْمَانَ الْحَالِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ الْأَحَادِيثَ رَأَى ذَلِكَ فِيهَا كَثِيرًا جِدًّا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
248