اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ط العلمية

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
إعلام الموقعين عن رب العالمين - ط العلمية - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
اللَّيْلِ، «وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إذَا سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا»، وَشُرِعَ لِلْمُتَوَضِّئِ بَعْدَ كَمَالِ وُضُوئِهِ أَنْ يَقُولَ " اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ " فَعُلِمَ أَنَّ التَّوْبَةَ مَشْرُوعَةٌ عَقِيبَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَأَمَرَ رَسُولَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ عَقِيبَ تَوْفِيَتِهِ مَا عَلَيْهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ حِينَ دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِهِ أَفْوَاجًا، فَكَأَنَّ التَّبْلِيغَ عِبَادَةٌ قَدْ أَكْمَلَهَا وَأَدَّاهَا، فَشُرِعَ لَهُ الِاسْتِغْفَارُ عَقِيبَهَا.
وَالْمَقْصُودُ تَفَاوُتُ النَّاسِ فِي مَرَاتِبِ الْفَهْمِ فِي النُّصُوصِ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَفْهَمُ مِنْ الْآيَةِ حُكْمًا أَوْ حُكْمَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْهَمُ مِنْهَا عَشَرَةَ أَحْكَامٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ فِي الْفَهْمِ عَلَى مُجَرَّدِ اللَّفْظِ دُونَ سِيَاقِهِ وَدُونَ إيمَائِهِ وَإِشَارَتِهِ وَتَنْبِيهِهِ وَاعْتِبَارِهِ، وَأَخَصُّ مِنْ هَذَا وَأَلْطَفُ ضَمُّهُ إلَى نَصٍّ آخَرَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَيَفْهَمُ مِنْ اقْتِرَانِهِ بِهِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ اللَّفْظِ بِمُفْرَدِهِ، وَهَذَا بَابٌ عَجِيبٌ مِنْ فَهْمِ الْقُرْآنِ لَا يَتَنَبَّهُ لَهُ إلَّا النَّادِرُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الذِّهْنَ قَدْ لَا يَشْعُرُ بِارْتِبَاطِ هَذَا بِهَذَا وَتَعَلُّقِهِ بِهِ.
وَهَذَا كَمَا فَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] [مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَلِدُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَمَا فَهِمَ الصِّدِّيقُ مِنْ آيَةِ الْفَرَائِضِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ وَآخِرِهَا أَنَّ الْكَلَالَةَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ، وَأَسْقَطَ الْإِخْوَةَ بِالْجَدِّ، وَقَدْ أَرْشَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - عُمَرَ إلَى هَذَا الْفَهْمِ حَيْثُ سَأَلَهُ عَنْ الْكَلَالَةِ وَرَاجَعَهُ السُّؤَالَ فِيهَا مِرَارًا، فَقَالَ: يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ، وَإِنَّمَا أُشْكِلَ عَلَى عُمَرَ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] فَدَلَّهُ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى مَا يُبَيِّنُ لَهُ الْمُرَادَ مِنْهَا وَهِيَ الْآيَةُ الْأُولَى الَّتِي نَزَلَتْ فِي الصَّيْفِ، فَإِنَّهُ وَرَّثَ فِيهَا وَلَدَ الْأُمِّ فِي الْكَلَالَةِ السُّدُسَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْكَلَالَةَ فِيهَا مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ، وَإِنْ عَلَا.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ عِدَّةَ مَسَائِلَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهَا السَّلَفُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَتْهَا النُّصُوصُ، وَمَسَائِلَ قَدْ اُحْتُجَّ فِيهَا بِالْقِيَاسِ وَقَدْ بَيَّنَهَا النَّصُّ وَأَغْنَى فِيهَا عَنْ الْقِيَاسِ.
[الْمَسْأَلَةُ الْمُشْتَرَكَةُ فِي الْفَرَائِضِ]
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْمُشْتَرَكَةُ فِي الْفَرَائِضِ، وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى اخْتِصَاصِ وَلَدِ الْأُمِّ فِيهَا بِالثُّلُثِ، بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] وَهَؤُلَاءِ وَلَدُ الْأُمِّ، فَلَوْ أَدْخَلْنَا مَعَهُمْ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ لَمْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ فِي الثُّلُثِ بَلْ يُزَاحِمُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ، فَإِنْ قِيلَ: بَلْ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ مِنْهُمْ، إلْغَاءً لِقَرَابَةِ الْأَبِ، قِيلَ: هَذَا وَهْمٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - قَالَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] فَذَكَرَ حُكْمَ وَاحِدِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ حُكْمًا يَخْتَصُّ بِهِ الْجَمَاعَةُ مِنْهُمْ كَمَا
267
المجلد
العرض
84%
الصفحة
267
(تسللي: 265)