اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ط العلمية

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
إعلام الموقعين عن رب العالمين - ط العلمية - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
بَقِيَ الْأُخْتَانِ وَالْأَخَوَانِ، فَهَذَا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ الصَّحَابَةُ فَجُمْهُورُهُمْ أَدْخَلُوا الِاثْنَيْنِ فِي لَفْظِ الْإِخْوَةِ، وَأَبَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَنَظَرُهُ أَقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَنَظَرُ الصَّحَابَةِ أَقْرَبُ إلَى الْمَعْنَى وَأَوْلَى بِهِ، فَإِنَّ الْإِخْوَةَ إنَّمَا حَجَبُوهَا إلَى السُّدُسِ لِزِيَادَةِ مِيرَاثِهِمْ عَلَى مِيرَاثِ الْوَاحِدِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ وَاحِدَةً أَوْ أَخًا وَاحِدًا لَكَانَ لَهَا الثُّلُثُ مَعَهُ، فَإِذَا كَانَ الْإِخْوَةُ وَلَدَ أُمٍّ كَانَ فَرْضُهُمْ الثُّلُثَ اثْنَيْنِ كَانَا أَوْ مِائَةً، فَالِاثْنَانِ وَالْجَمَاعَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ كُنَّ أَخَوَاتٍ لِأَبٍ أَوْ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَفَرْضُ الثِّنْتَيْنِ وَمَا زَادَ وَاحِدٌ، فَحَجْبُهَا عَنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ بِاثْنَيْنِ كَحَجْبِهَا بِثَلَاثَةٍ سَوَاءٌ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا أَلْبَتَّةَ.
وَهَذَا الْفَهْمُ فِي غَايَةِ اللُّطْفِ، وَهُوَ مِنْ أَدَقِّ فَهْمِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ طَرْدُ ذَلِكَ فِي الذُّكُورِ مِنْ وَلَدِ الْأَبِ وَالْأَبَوَيْنِ لِمَعْنًى يَقْتَضِيهِ، وَهُوَ تَوْفِيرُ السُّدُسِ الَّذِي حُجِبَتْ عَنْهُ لَهُمْ لِزِيَادَتِهِمْ عَلَى الْوَاحِدِ نَظَرًا لَهُمْ وَرِعَايَةً لِجَانِبِهِمْ، وَأَيْضًا فَإِنَّ قَاعِدَةَ الْفَرَائِضِ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ اخْتَصَّ بِهِ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْوَاحِدِ اشْتَرَكَ فِيهِ الِاثْنَانِ وَمَا فَوْقَهُمَا كَوَلَدِ الْأُمِّ وَالْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الِابْنِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ، وَالْحَجْبُ هَهُنَا قَدْ اخْتَصَّ بِهِ الْجَمَاعَةُ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الِاثْنَانِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ وَالْمِيزَانُ الْمُوَافِقُ لِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَفَهْمِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] يَدْخُلُ فِي حُكْمِهِ الثِّنْتَانِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ دُخُولِهِمَا فِي الْحُكْمِ كَمَا سَيَأْتِي.
فَهَكَذَا دُخُولُ الْأَخَوَيْنِ فِي الْإِخْوَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ لَفْظَ الْإِخْوَةِ كَلَفْظِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَالْبَنَاتِ وَالْبَنِينَ، وَهَذَا كُلُّهُ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ الَّذِي جَاوَزَ الْوَاحِدَ وَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى اثْنَيْنِ، فَكُلُّ حُكْمٍ عُلِّقَ بِالْجَمْعِ مِنْ ذَلِكَ دَخَلَ فِيهِ الِاثْنَانِ كَالْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَفْظُ الْجَمْعِ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ الْمُتَكَثِّرِ أَعَمَّ مِنْ تَكْثِيرِهِ بِوَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ، كَمَا أَنَّ لَفْظَ الْمَثْنَى قَدْ يُرَادُ بِهِ الْمُتَعَدِّدُ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَعَدُّدُهُ بِوَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ، نَحْوُ: ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] وَدَلَالَتُهُمَا حِينَئِذٍ عَلَى الْجِنْسِ الْمُتَكَثِّرِ، وَأَيْضًا فَاسْتِعْمَالُ الِاثْنَيْنِ فِي الْجَمْعِ بِقَرِينَةٍ وَاسْتِعْمَالُ الْجَمْعِ فِي الِاثْنَيْنِ بِقَرِينَةٍ جَائِزٌ بَلْ وَاقِعٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ - سُبْحَانَهُ - قَالَ: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْأَخَ الْوَاحِدَ وَالْأُخْتَ الْوَاحِدَةَ كَمَا يَتَنَاوَلُ مَنْ فَوْقَهُمَا، وَلَفْظُ الْإِخْوَةِ وَسَائِرُ أَلْفَاظِ الْجَمْعِ قَدْ يُعْنَى بِهِ الْجِنْسُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّعَدُّدِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وَقَدْ يُعْنَى بِهِ الْعَدَدُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ بَلْ لِجِنْسِ التَّعَدُّدِ، وَقَدْ يُعْنَى بِهِ الِاثْنَانِ وَمَا زَادَ، وَالثَّالِثُ يَتَنَاوَلُ الثَّلَاثَةَ فَمَا زَادَ عِنْدَ إطْلَاقِهِ، وَإِذَا قُيِّدَ اخْتَصَّ بِمَا قُيِّدَ بِهِ
271
المجلد
العرض
86%
الصفحة
271
(تسللي: 269)