اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

القواعد النورانية

تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
القواعد النورانية - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ وَالْهِبَةَ وَنَحْوَهَا لَمْ يَحُدَّ الشَّارِعُ لَهَا حَدًّا، لَا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلَا نُقِلَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُ عَيَّنَ لِلْعُقُودِ صِفَةً مُعَيَّنَةً [مِنَ] الْأَلْفَاظِ أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ قَالَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِالصِّيَغِ الْخَاصَّةِ، بَلْ قَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِمَّا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ الْقَدِيمَ، وَأَنَّهُ مِنَ الْبِدَعِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، بِحَيْثُ يُقَالُ: إِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يُسَمُّونَ هَذَا بَيْعًا وَلَا يُسَمُّونَ هَذَا بَيْعًا، حَتَّى يُدْخِلَ أَحَدَهُمَا فِي خِطَابِ اللَّهِ وَلَا يُدْخِلَ الْآخَرَ، بَلْ تَسْمِيَةُ أَهْلِ الْعُرْفِ مِنَ الْعَرَبِ هَذِهِ الْمُعَاقَدَاتِ بَيْعًا: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا فِي لُغَتِهِمْ تُسَمَّى بَيْعًا، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ اللُّغَةِ وَتَقْرِيرُهَا لَا نَقْلُهَا وَتَغْيِيرُهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ كَانَ الْمَرْجِعُ فِيهِ إِلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ، فَمَا سَمَّوْهُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ، وَمَا سَمَّوْهُ هِبَةً فَهُوَ هِبَةٌ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْعِبَادِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ نَوْعَانِ: عِبَادَاتٌ يَصْلُحُ بِهَا دِينُهُمْ، وَعَادَاتٌ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا فِي دُنْيَاهُمْ، فَبِاسْتِقْرَاءِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ نَعْلَمُ أَنَّ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ أَوْ أَحَبَّهَا لَا يَثْبُتُ الْأَمْرُ بِهَا إِلَّا بِالشَّرْعِ.

وَأَمَّا الْعَادَاتُ فَهِيَ مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ فِي دُنْيَاهُمْ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ عَدَمُ الْحَظْرِ، فَلَا يُحْظَرُ مِنْهُ إِلَّا مَا حَظَرَهُ اللَّهُ ﷾. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ هُمَا شَرْعُ اللَّهِ، وَالْعِبَادَةُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهَا، فَمَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ كَيْفَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ
163
المجلد
العرض
39%
الصفحة
163
(تسللي: 143)