اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

القواعد النورانية

تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
القواعد النورانية - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
كَمَا تَحْصُلُ الْمَغَانِمُ بِمَنْفَعَةِ أَبْدَانِ الْغَانِمِينَ وَخَيْلِهِمْ، وَكَمَا يَحْصُلُ مَالُ الْفَيْءِ بِمَنْفَعَةِ أَبْدَانِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قُوَّتِهِمْ وَنَصْرِهِمْ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا هُوَ الْعَمَلُ، أَوِ الْمَنْفَعَةُ. فَمَنِ اسْتَأْجَرَ لِبِنَاءٍ أَوْ خِيَاطَةٍ، أَوْ شَقِّ الْأَرْضِ أَوْ بَذْرِهَا أَوْ حَصَادٍ، فَإِذَا وَافَاهُ ذَلِكَ الْعَمَلُ فَقَدِ اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ مَقْصُودَهُ بِالْعَقْدِ، وَاسْتَحَقَّ الْأَجِيرُ أَجْرَهُ، وَلِذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِي الْإِجَارَةِ اللَّازِمَةِ: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَضْبُوطًا كَمَا يُشْتَرَطُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمَبِيعِ. وَهُنَا مَنْفَعَةُ بَدَنِ الْعَامِلِ وَبَدَنِ بَقَرِهِ وَحَدِيدِهِ: هُوَ مِثْلُ مَنْفَعَةِ أَرْضِ الْمَالِكِ وَشَجَرِهِ. لَيْسَ مَقْصُودُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتِيفَاءَ مَنْفَعَةِ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُمَا جَمِيعًا: مَا يَتَوَلَّدُ مِنَ اجْتِمَاعِ الْمَنْفَعَتَيْنِ. فَإِنْ حَصَلَ نَمَاءٌ اشْتَرَكَا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ نَمَاءٌ ذَهَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مَنْفَعَتُهُ، فَيَشْتَرِكَانِ فِي الْمَغْنَمِ وَفِي الْمَغْرَمِ، كَسَائِرِ الْمُشْتَرِكِينَ فِيمَا يَحْدُثُ مِنْ نَمَاءِ الْأُصُولِ الَّتِي لَهُمْ. وَهَذَا جِنْسٌ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ يُخَالِفُ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَقْصُودِهِ وَحِكَمِهِ الْإِجَارَةَ الْمَحْضَةَ، وَمَا فِيهِ مِنْ شَوْبِ الْمُعَاوَضَةِ مِنْ جِنْسِ مَا فِي الشَّرِكَةِ مِنْ شَوْبِ الْمُعَاوَضَةِ.

فَإِنَّ التَّصَرُّفَاتِ الْعَدْلِيَّةَ فِي الْأَرْضِ جِنْسَانِ: مُعَاوَضَاتٌ، وَمُشَارَكَاتٌ.
فَالْمُعَاوَضَاتُ: كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ.
وَالْمُشَارَكَاتُ: شَرِكَةُ الْأَمْلَاكِ، وَشَرِكَةُ الْعَقْدِ.
وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ اشْتِرَاكُ الْمُسْلِمِينَ فِي مَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَاشْتِرَاكُ النَّاسِ فِي الْمُبَاحَاتِ، كَمَنَافِعِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ الْمُبَاحَةِ وَالطُّرُقَاتِ، وَمَا يَحْيَا مِنَ الْمَوَاتِ، أَوْ يُوجَدُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَاشْتِرَاكُ الْوَرَثَةِ فِي الْمِيرَاثِ، وَاشْتِرَاكُ الْمُوصَى لَهُمْ وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ، وَاشْتِرَاكُ التُّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ شَرِكَةَ عَنَانٍ أَوْ أَبْدَانٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَانَ الْجِنْسَانِ هُمَا مَنْشَأُ الظُّلْمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ دَاوُدَ ﵇: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] [ص: ٢٤] .
233
المجلد
العرض
58%
الصفحة
233
(تسللي: 213)