اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

القواعد النورانية

تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
القواعد النورانية - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ رِضَا الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَمُوجَبُهَا هُوَ مَا أَوْجَبَاهُ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالتَّعَاقُدِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] [النِّسَاءِ: ٢٩]، وَقَالَ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، فَعَلَّقَ جَوَازَ الْأَكْلِ بِطِيبِ النَّفْسِ تَعْلِيقَ الْجَزَاءِ بِشَرْطِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ، وَهُوَ حُكْمٌ مُعَلَّقٌ عَلَى وَصْفٍ مُشْتَقٍّ مُنَاسِبٍ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ سَبَبٌ لِذَلِكَ الْحُكْمِ. وَإِذَا كَانَ طِيبُ النَّفْسِ هُوَ الْمُبِيحُ لِأَكْلِ الصَّدَاقِ، فَكَذَلِكَ سَائِرُ التَّبَرُّعَاتِ، قِيَاسًا عَلَيْهِ بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، لَمْ يَشْتَرِطْ فِي التِّجَارَةِ إِلَّا التَّرَاضِيَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ التَّرَاضِيَ هُوَ الْمُبِيحُ لِلتِّجَارَةِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِذَا تَرَاضَى الْمُتَعَاقِدَانِ بِتِجَارَةٍ أَوْ طَابَتْ نَفْسُ الْمُتَبَرِّعِ بِتَبَرُّعٍ، ثَبَتَ حِلُّهُ بِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ، إِلَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، كَالتِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَقْدَ لَهُ حَالَانِ: حَالُ إِطْلَاقٍ، وَحَالُ تَقْيِيدٍ. فَفُرِّقَ بَيْنَ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الْمُطْلَقِ مِنَ الْعُقُودِ. فَإِذَا قِيلَ: هَذَا شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ: يُنَافِي الْعَقْدَ الْمُطْلَقَ، فَكَذَلِكَ كَلُّ شَرْطٍ زَائِدٍ وَهَذَا لَا يَضُرُّهُ، وَإِنْ أُرِيدَ: يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، احْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا إِذَا نَافَى مَقْصُودَ الْعَقْدِ. فَإِنَّ الْعَقْدَ إِذَا كَانَ لَهُ مَقْصُودٌ يُرَادُ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ، وَشُرِطَ فِيهِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ الْمَقْصُودَ، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ: بَيْنَ إِثْبَاتِ الْمَقْصُودِ وَنَفْيِهِ، فَلَا يَحْصُلُ شَيْءٌ. وَمِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ، بَلْ هُوَ مُبْطِلٌ لِلْعَقْدِ عِنْدَنَا.
وَالشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ قَدْ تَبْطُلُ لِكَوْنِهَا تُنَافِي مَقْصُودَ الشَّارِعِ، مِثْلَ اشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَلَا
280
المجلد
العرض
71%
الصفحة
280
(تسللي: 260)