الفواح العطر في تزكية التفكر والذكر - صلاح أبو الحاج
المبحث الأول التفكر والعزلة
فكان الخلق لا يحجبونه عن الله تعالى، فكان ببدنه مع الخلق وبقلبه مقبلاً على الله تعالى حتى كان الناس يظنون أن أبا بكر خليله، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن استغراق همه بالله، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو كنت متخذا خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله» (¬1).
ولن يسع الجمع بين مخالطة الناس ظاهراً، والإقبال على الله سرّاً إلا قوة النبوة، فلا ينبغي أن يغترّ كل ضعيف بنفسه، فيطمع في ذلك، ولا يبعد أن تنتهي درجة بعض الأولياء إليه.
فقد نقل عن الجنيد أنه قال: أنا أكلم الله منذ ثلاثين سنة، والناس يظنون أني أكلمهم.
وهذا إنما يتيسر للمستغرق بحبِّ الله استغراقاً لا يبقي لغيره فيه متسع وذلك غير منكر، ففي المشتهرين بحب الخلق من يخالط الناس ببدنه، وهو لا يدري ما يقول، ولا ما يقال له لفرط عشقه لمحبوبه، بل الذي دهاه ملم يشوش عليه أمراً من أمور دنياه، فقد يستغرقه الهم بحيث يخالط الناس ولا يحس بهم، ولا يسمع أصواتهم لشدة استغراقه وأمر الآخرة أعظم عند العقلاء فلا تستحيل ذلك فيه.
ولكن الأولى بالأكثرين الاستعانة بالعزلة، ولذلك قيل لبعض الحكماء: ما الذي أرادوا بالخلوة واختيار العزلة، فقال: يستدعون بذلك دوام الفكرة وتثبت العلوم في قلوبهم؛ ليحيوا حياة طيبة ويذوقوا حلاوة المعرفة.
¬__________
(¬1) أخرجه مسلم، كما في المغني2: 227.
ولن يسع الجمع بين مخالطة الناس ظاهراً، والإقبال على الله سرّاً إلا قوة النبوة، فلا ينبغي أن يغترّ كل ضعيف بنفسه، فيطمع في ذلك، ولا يبعد أن تنتهي درجة بعض الأولياء إليه.
فقد نقل عن الجنيد أنه قال: أنا أكلم الله منذ ثلاثين سنة، والناس يظنون أني أكلمهم.
وهذا إنما يتيسر للمستغرق بحبِّ الله استغراقاً لا يبقي لغيره فيه متسع وذلك غير منكر، ففي المشتهرين بحب الخلق من يخالط الناس ببدنه، وهو لا يدري ما يقول، ولا ما يقال له لفرط عشقه لمحبوبه، بل الذي دهاه ملم يشوش عليه أمراً من أمور دنياه، فقد يستغرقه الهم بحيث يخالط الناس ولا يحس بهم، ولا يسمع أصواتهم لشدة استغراقه وأمر الآخرة أعظم عند العقلاء فلا تستحيل ذلك فيه.
ولكن الأولى بالأكثرين الاستعانة بالعزلة، ولذلك قيل لبعض الحكماء: ما الذي أرادوا بالخلوة واختيار العزلة، فقال: يستدعون بذلك دوام الفكرة وتثبت العلوم في قلوبهم؛ ليحيوا حياة طيبة ويذوقوا حلاوة المعرفة.
¬__________
(¬1) أخرجه مسلم، كما في المغني2: 227.