اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الطب النبوي لابن القيم

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
الطب النبوي لابن القيم - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ عِرْقِ النَّسَا
رَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي «سُنَنِهِ» مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «دَوَاءُ عِرْقِ النَّسَا أَلْيَةُ شَاةٍ أَعْرَابِيَّةٍ تُذَابُ، ثُمُّ تُجَزَّأُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ يُشْرَبُ عَلَى الرِّيقِ فِي كُلِّ يَوْمٍ جُزْءٌ» «١»
عِرْقُ النَّسَاءِ: وَجَعٌ يبتدىء مِنْ مَفْصِلِ الْوَرِكِ، وَيَنْزِلُ مِنْ خَلْفٍ عَلَى الْفَخِذِ، وَرُبَّمَا عَلَى الْكَعْبِ، وَكُلَّمَا طَالَتْ مُدَّتُهُ، زَادَ نُزُولُهُ، وَتَهْزُلُ مَعَهُ الرِّجْلُ وَالْفَخِذُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ مَعْنًى لُغَوِيٌّ، وَمَعْنًى طِبِّيٌّ. فَأَمَّا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، فَدَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَسْمِيَةِ هَذَا الْمَرَضِ بِعِرْقِ النَّسَا خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ، وَقَالَ:
النَّسَا هُوَ الْعِرْقُ نَفْسُهُ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَجَوَابُ هَذَا الْقَائِلِ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعِرْقَ أَعَمُّ مِنَ النَّسَا، فَهُوَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْعَامِّ إِلَى الْخَاصِّ نَحْوَ: كُلُّ الدَّرَاهِمِ أَوْ بَعْضُهَا.
الثَّانِي: أَنَّ النَّسَا هُوَ الْمَرَضُ الْحَالُّ بِالْعِرْقِ، وَالْإِضَافَةُ فِيهِ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى مَحَلِّهِ وَمَوْضِعِهِ. قِيلَ: وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَلَمَهُ يُنْسِي مَا سِوَاهُ، وَهَذَا الْعِرْقُ مُمْتَدٌّ مِنْ مَفْصِلِ الْوَرِكِ، وَيَنْتَهِي إِلَى آخِرِ الْقَدَمِ وَرَاءَ الْكَعْبِ، مِنَ الْجَانِبِ الْوَحْشِيِّ فِيمَا بَيْنَ عَظْمِ السَّاقِ وَالْوَتَرِ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى الطِّبِّيُّ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا عَامٌّ بِحَسْبِ الْأَزْمَانِ، وَالْأَمَاكِنِ، وَالْأَشْخَاصِ، وَالْأَحْوَالِ.
وَالثَّانِي خَاصٌّ بِحَسْبِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ بَعْضِهَا، وَهَذَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ، فَإِنَّ هَذَا خِطَابٌ لِلْعَرَبِ، وَأَهْلِ الْحِجَازِ، وَمَنْ جَاوَرَهُمْ، وَلَا سِيَّمَا أَعْرَابُ الْبَوَادِي، فَإِنَّ هَذَا الْعِلَاجَ مِنْ أَنْفَعِ الْعِلَاجِ لَهُمْ، فَإِنَّ هَذَا الْمَرَضَ يَحْدُثُ مِنْ يُبْسٍ، وَقَدْ يَحْدُثُ مِنْ مَادَّةٍ غَلِيظَةٍ لَزِجَةٍ، فَعِلَاجُهَا بِالْإِسْهَالِ وَالْأَلْيَةُ فِيهَا الْخَاصِّيَّتَانِ الْإِنْضَاجُ، وَالتَّلْيِينُ، فَفِيهَا الْإِنْضَاجُ، وَالْإِخْرَاجُ. وَهَذَا الْمَرَضُ يَحْتَاجُ عِلَاجُهُ إِلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، وَفِي تَعْيِينِ الشَّاةِ الْأَعْرَابِيَّةِ لِقِلَّةِ فُضُولِهَا، وَصِغَرِ مِقْدَارِهَا، وَلُطْفِ جَوْهَرِهَا، وَخَاصِّيَّةِ مَرْعَاهَا لِأَنَّهَا تَرْعَى أَعْشَابَ الْبَرِّ الْحَارَّةَ، كَالشِّيحِ، وَالْقَيْصُومِ، وَنَحْوِهِمَا، وَهَذِهِ النَّبَاتَاتُ إِذَا تَغَذَّى بِهَا الْحَيَوَانُ، صَارَ فِي لَحْمِهِ مِنْ طَبْعِهَا بَعْدَ أَنْ يُلَطِّفَهَا تغذية بها، ويكسبها مزاجا ألطف
_________
(١) أخرجه ابن ماجه في الطب
55
المجلد
العرض
17%
الصفحة
55
(تسللي: 53)