اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَمَعْنَى الرَّبِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ. وَبَدْءُ الدَّعْوَةِ بِالْأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ هُوَ سُنَّةُ جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (١٦: ٣٦) فَكَانَ كُلُّ رَسُولٍ يَبْدَأُ دَعْوَتَهُ بِقَوْلِهِ: (يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ تِلْكَ الْأُمَمِ كَانَتْ تُؤْمِنُ بِأَنَّ اللهَ خَالِقَ الْخَلْقِ، هُوَ رَبُّهُمْ وَمُدَبِّرُ أُمُورِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ كُفْرُهُمُ الْأَعْظَمُ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْعِبَادَةِ الْأَعْظَمِ فِي وِجْدَانِ جَمِيعِ الْبَشَرِ، وَبِغَيْرِ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغَاثَةِ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْعُرْفِيَّةِ، كَالتَّقَرُّبِ إِلَى الْمَعْبُودِ بِالنُّذُورِ وَذَبْحِ الْقَرَابِينَ أَوِ الطَّوَافِ وَالتَّمَسُّحِ بِهِ إِنْ كَانَ جِسْمًا أَوْ تِمْثَالًا لِمَلِكٍ أَوْ بَشَرٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ قَبْرًا لِإِنْسَانٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُنْكِرُ الْبَعْثَ أَيْضًا، وَلَمَّا كَانَ الْمُخَاطَبُونَ بِالدَّعْوَةِ هُنَا أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ فِي ضِمْنِ الدَّعْوَةِ الْعَامَّةِ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَالْعَرَبُ فِي الْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا يُؤْمِنُونَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَيَعْبُدُونَ غَيْرَهُ إِمَّا بِدُعَائِهِ مَعَ اللهِ أَوْ مِنْ دُونِ اللهِ، وَإِمَّا بِجَعْلِهِ شَارِعًا يَتْبَعُونَهُ فِيمَا يُصْدِرُهُ مِنْ أَحْكَامِ التَّعَبُّدِ أَوِ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ - لَمَّا كَانُوا كَذَلِكَ، احْتَجَّ عَلَى دَعْوَتِهِمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ تَعَالَى بِالتَّعْبِيرِ بِلَفْظِ " رَبٍّ " مُضَافًا إِلَيْهِمْ فَقَالَ: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) وَوَصَفَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى انْفِرَادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُسَلَّمَةِ عِنْدَهُمْ وَهِيَ الْخَلْقُ وَالتَّكْوِينُ وَالرِّزْقُ فَقَالَ: (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) إِلَى آخَرِ الْآيَةِ التَّالِيَةِ - أَيْ إِذَا كَانَ رَبُّكُمْ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ مَنْ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ لِرِزْقِكُمْ وَمَنَافِعِكُمْ، فَيَجِبُ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِعِبَادَتِهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ فَتَجْعَلُونَهُ مُسَاوِيًا لَهُ، وَتُفَضِّلُونَهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَفْضِيلًا مَنْ نَوْعِ تَفْضِيلِ الْخَالِقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ وَالرَّبِّ عَلَى الْمَرْبُوبِ. وَهَاكَ تَفْصِيلَ ذَلِكَ بِمَا كَتَبْتُهُ مِنْ سِيَاقِ دَرْسِ شَيْخِنَا مُفَصِّلًا لَهُ تَفْصِيلًا:
يَقُولُ تَعَالَى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ) الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْإِيمَانَ بِاللهِ قَوْلًا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ يَمَسَّ الْإِيمَانُ الْحَقُّ سَوَادَ قُلُوبِهِمْ، وَلَا كَانَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى أَرْوَاحِهِمْ، وَيَدَّعُونَ الْإِيمَانَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَمْ يَسْتَعِدُّوا لَهُ بِتَهْذِيبِ أَنْفُسِهِمْ وَإِصْلَاحِ أَعْمَالِهِمْ، وَإِنَّمَا يَأْتُونَ بِبَعْضِ صُوَرِ الْعِبَادَاتِ بِحُكْمِ الْعَادَاتِ الْمَوْرُوثَةِ. وَقُلُوبُهُمْ مَشْغُولَةٌ عَنِ اللهِ الَّذِي لَا تُفِيدُ الْعِبَادَةُ عِنْدَهُ إِلَّا بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ، وَالشُّعُورِ بِعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ، فَهُمْ يُخَادِعُونَ اللهَ بِهَذِهِ الظَّوَاهِرِ الَّتِي لَا مَعْنَى لَهَا، وَالصُّوَرِ الَّتِي لَا رُوحَ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَخْدَعُونَ فِي
الْحَقِيقَةِ أَنْفُسَهُمْ؛ لِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ هَذِهِ لَا تُفِيدُهُمْ فِي الدُّنْيَا عَزَّةٌ وَسَعَادَةٌ وَلَا تُنْجِيهِمْ فِي الْآخِرَةِ.
وَيَا أَيُّهَا النَّاسُ الَّذِينَ لَمْ يُرْزَءُوا بِهَذَا الْخِذْلَانِ، وَلَمْ يُبْتَلَوْا بِهَذَا الِافْتِتَانِ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) جَمِيعًا عِبَادَةَ خُشُوعٍ وَإِخْلَاصٍ وَأَدَبٍ وَحُضُورٍ، كَأَنَّكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَتَرَوْنَهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا تَرَوْنَهُ فَإِنَّهُ يَرَاكُمْ، وَيَنْظُرُ دَائِمًا إِلَى مَحَلِّ الْإِخْلَاصِ مِنْكُمْ وَهُوَ قُلُوبُكُمْ، وَاسْتَعِينُوا عَلَى إِشْعَارِ نُفُوسِكُمْ هَذَا الْخُشُوعَ وَالْحُضُورَ
154
المجلد
العرض
27%
الصفحة
154
(تسللي: 153)