اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْآيَةَ فِي بَيَانِ طَبِيعَةِ أَهْلِ الْمِلَّتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُ يَهُودِ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجْرَانَ مَا ذُكِرَ - إِنْ صَحَّ - لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ، فَإِنَّهُمْ مَا قَالُوا إِلَّا مَا هُوَ لِسَانُ حَالِ مِلَّتِهِمْ. وَغَيْرُهُمْ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، أَوْ يُصَدِّقُ الْقَائِلِينَ بِاعْتِقَادِهِ وَسِيرَتِهِ.
أَمَرَ اللهُ النَّبِيَّ بِأَنْ يَدْعُوَ إِلَى اتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَقَالَ: (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ) أَيْ لَا تَكُنْ دَعْوَتُكُمْ إِلَى شَيْءٍ خَاصٍّ بِكُمْ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ سَائِرِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ السَّمَاوِيَّةِ، بَلِ انْظُرُوا إِلَى جِهَةِ الْجَمْعِ وَالِاتِّفَاقِ، وَادْعُوا إِلَى أَصْلِ الدِّينِ وَرُوحِهِ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ وَلَا نِزَاعَ، وَهُوَ التَّسْلِيمُ بِنُبُوَّةِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، مَعَ
الْإِسْلَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا نَعْبُدُ إِلَّا اللهَ، وَلَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِ اللهِ.
وَالْأَسْبَاطُ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ، وَالْفِرَقُ أَوِ الشُّعُوبُ الْإِثْنَى عَشَرَ الْمُتَشَعِّبَةُ مِنْهُمْ. قَالَ - تَعَالَى -: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) (٧: ١٦٠) وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ أَوْلَادَ يَعْقُوبَ كَانُوا أَنْبِيَاءَ وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُرْسَلِينَ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا كَمَا يُفْهَمُ مِنْ إِطْلَاقِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي الدَّرْسِ، فَالْمُرَادُ بِالْأَسْبَاطِ الْإِطْلَاقُ الْأَوَّلُ، وَإِلَّا كَانَ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيرُ مُضَافٍ، أَيْ أَنْبِيَاءَ الْأَسْبَاطِ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَسَائِرُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي نُبُوَّةِ غَيْرِ يُوسُفَ مِنْ أَبْنَاءِ يَعْقُوبَ شَيْءٌ.
(وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَهَاهُنَا نُكْتَةٌ دَقِيقَةٌ فِي اخْتِلَافِ التَّعْبِيرِ عَنِ الْوَحْيِ الَّذِي مَنَحَهُ اللهُ الْأَنْبِيَاءَ إِذْ عَبَّرَ بِأَنْزَلَ تَارَةً وَبِأُوتِيَ تَارَةً أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِأَنْزَلَ ذُكِرَ هُنَا فِي جَانِبِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ كُتُبٌ تُؤْثَرُ، وَلَا صُحُفٌ تُنْقَلُ، وَذَلِكَ أَنَّ إِنْزَالَ الْوَحْيِ عَلَى نَبِيٍّ لَا يَسْتَلْزِمُ إِعْطَاءَهُ كِتَابًا يُؤْثَرُ عَنْهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إِذَا كَانَ النَّبِيُّ غَيْرَ مُرْسَلٍ فَإِنَّ الْوَحْيَ إِلَيْهِ يَكُونُ خَاصًّا بِهِ، وَيَكُونُ إِرْشَادُهُ لِلنَّاسِ أَنْ يَعْمَلُوا بِشَرْعِ رَسُولٍ آخَرَ إِنْ كَانَ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولٌ وَإِلَّا كَانَ قُدْوَةً فِي الْخَيْرِ وَمُعِدًّا لِلنُّفُوسِ لِبَعْثَةِ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَأَمَّا النَّبِيُّ الْمُرْسَلُ فَقَدْ يُؤْمَرُ بِالتَّبْلِيغِ الشِّفَاهِيِّ وَلَا يُعْطَى كِتَابًا بَاقِيًا، وَقَدْ يُكْتَبُ مَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي عَصْرِهِ فَيَضِيعُ مِنْ بَعْدِهِ، فَهَؤُلَاءِ الرُّسُلُ الْكِرَامُ الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: (وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ) لَا يُؤْثَرُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ كِتَابٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ وَلَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَأَنَّنَا نُؤْمِنُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا أَنْبِيَاءَ، وَأَنَّ مَا نَزَلَ عَلَيْهِمْ هُوَ دِينُ اللهِ الْحَقُّ، وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ فِي جَوْهَرِهِ وَأُصُولِهِ لِمَا أُنْزِلَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ. وَمَا ذَكَرَ اللهُ مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ بِالنَّصِّ هُوَ رُوحُ ذَلِكَ الْوَحْيِ كُلِّهِ، وَقَدْ جَاءَ فِي سُورَةِ النَّجْمِ وَسُورَةِ الْأَعْلَى ذِكْرُ صُحُفٍ لِإِبْرَاهِيمَ. وَقَالَ (الْجَلَالُ) هُنَا: إِنَّهَا عَشْرٌ، فَنُؤْمِنُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ صُحُفٌ وَلَا نَزِيدُ عَلَى مَا وَرَدَ شَيْئًا، وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَالْأَسْبَاطُ فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ لَهُمْ صُحُفًا وَلَا كُتُبًا، فَنُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ بِالْإِجْمَالِ وَنَعْتَقِدُ أَنَّهُ عَيْنُ
397
المجلد
العرض
71%
الصفحة
397
(تسللي: 396)