اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
لَهُمُ الْعِبَادَاتِ وَتَحْلِيلَهُمْ لَهُمُ الْمُنْكَرَاتِ، وَتَحْرِيمَهُمْ عَلَيْهِمْ بَعْضَ الطَّيِّبَاتِ، فِقْهًا وَاسْتِنْبَاطًا مِنَ التَّوْرَاةِ، إِلَّا أَنَّ مِنَ النَّصَارَى مَنْ لَا يَتَحَامَوْنَ التَّصْرِيحَ بِعِبَادَةِ السَّيِّدَةِ مَرْيَمَ وَبَعْضِ الْقِدِّيسِينَ اسْتِعْمَالًا لِلَّفْظِ فِي مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ.
وَصُوَرُ الْعِبَادَةِ تَخْتَلِفُ عِنْدَ الْأُمَمِ اخْتِلَافًا عَظِيمًا، وَأَعْلَاهَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ الْأَرْكَانُ الْخَمْسَةُ وَالدُّعَاءُ. وَقَالُوا: كُلُّ عَمَلٍ مَحْظُورٍ تَحْسُنُ فِيهِ النِّيَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ عِبَادَةٌ، كَأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَجْعَلُ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ عِبَادَةً هُوَ التَّوَجُّهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ وَابْتِغَاءُ مَرْضَاتِهِ، وَلَهَا عِنْدُ أَهْلِ الْكِتَابِ صُوَرٌ أُخْرَى، وَالْمُؤَوِّلُونَ يَخُصُّونَ هَذِهِ الصُّوَرَ بِاللهِ تَعَالَى، وَإِذَا ابْتَدَعُوا صُورَةً فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ يُسَمُّونَهَا بَاسِمٍ آخَرَ يَسْتَحِلُّونَهَا بَلْ يَسْتَحِبُّونَهَا بِهِ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ بِالتَّسْمِيَةِ أَوِ التَّأْوِيلِ عَنْ حَيِّزِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا كَمَا ذَكَرَ اللهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) (٩: ٣١) وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ سِوَى التَّوَسُّلِ بِهِمْ وَالْأَخْذِ فِي الدِّينِ بِقَوْلِهِمْ تَقْلِيدًا لَهُمْ بِدُونِ فَهْمٍ لِمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ الْوَحْيِ، كَمَا صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
وَقُدَمَاءُ الْفُرْسِ جَعَلُوا لِلَّهِ نِدًّا فِي الْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ، فَقَالُوا: إِنَّ لِلْخَيْرِ إِلَهًا هُوَ الْإِلَهُ الْأَوَّلُ. وَإِنَّ لِلشَّرِّ إِلَهًا يُضَادُّهُ، وَلَيْسَ النَّهْيُ فِي الْآيَةِ عَنْ هَذَا النِّدِّ الشَّرِيكِ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ لَا يَدِينُونَ بِهِ كَمَا قُلْنَا وَتَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَاتُ الْكَثِيرَةُ.
لِذَلِكَ وَصَلَ النَّهْيُ بِقَوْلِهِ - ﷿ -: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا نِدَّ لَهُ لِأَنَّكُمْ إِذَا سُئِلْتُمْ: مَنْ خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ مَنْ قَبْلَكُمْ؟ تَقُولُونَ اللهُ، وَإِذَا سُئِلْتُمْ: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ؟ تَقُولُونَ: اللهُ. فَلِمَاذَا تَسْتَغِيثُونَ إِذَنْ بِغَيْرِ اللهِ وَتَدْعُونَ غَيْرَ اللهِ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَتَيْتُمْ بِهَذِهِ الْوَسَائِطِ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَادَّعَيْتُمْ أَنَّهُمْ شُفَعَاؤُكُمْ عِنْدَ اللهِ؟ وَمِنْ أَيْنَ جَاءَكُمْ أَنَّ التَّقَرُّبَ وَالتَّوَسُّلَ إِلَى اللهِ يَكُونُ بِغَيْرِ مَا شَرَعَهُ مِنَ الدِّينِ حَتَّى قُلْتُمْ: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ) (٣٩: ٣) .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ وَسَائِطَكُمْ وَشُفَعَاءَكُمْ،
وَأَعَدَّكُمْ جَمِيعًا لِلتَّقْوَى الَّتِي تُقَرِّبُكُمْ إِلَيْهِ زُلْفَى، وَسَاوَى بَيْنَكُمْ فِي أَنْوَاعِ الْمَوَاهِبِ إِلَّا أَنَّهُ خَصَّ الْأَنْبِيَاءَ - ﵈ - بِالْوَحْيِ لِيُعَلِّمُوكُمْ مَا أَخْطَأَ نَظَرُكُمْ وَرَأْيُكُمْ فِيهِ، فَعَلَيْكُمْ أَنْ تَهْتَدُوا بِمَا جَاءُوا بِهِ، فَإِنَّ صَدَّ الْمَرْءُوسِينَ عَنْ تَرْكِ تَقَالِيدِهِمْ وَاتِّبَاعِ الْوَحْيِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِيهِ وَلَا نُقْصَانٍ مِنْهُ خَوَّفَهُمُ الرُّؤَسَاءَ.
فَقَدْ آثَرُوا رُؤَسَاءَهُمْ عَلَى اللهِ وَجَعَلُوهُمْ لَهُ أَنْدَادًا، وَإِنَّ صَدَّ الرُّؤَسَاءِ عَنْ هَذَا الِاتِّبَاعِ تَوَقُّعُ زَوَالِ الْمَنْفَعَةِ وَالْجَاهِ لَدَى الْمَرْءُوسِينَ فَقَدِ اتَّخَذُوهُمْ أَنْدَادًا، فَالنِّدُّ: هُوَ الْمُكَافِئُ وَالْمِثْلُ، وَأَنْتُمْ بِتَرْكِكُمُ الْحَقَّ لِخَوْفِهِمْ وَرَجَائِهِمْ تُفَضِّلُونَهُمْ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَتَجْعَلُونَهُ أَقَلَّ الْأَنْدَادِ تَعْظِيمًا، فَفِرُّوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - إِلَى اللهِ، وَلَا تَخَافُوا غَيْرَهُ وَلَا تَرْجُوا سِوَاهُ، فَعَارٌ عَلَى مَنْ يَعْرِفُ اللهَ أَنْ يُؤْثِرَ رِضَاءَ أَحَدٍ عَلَى رِضَاهُ، لَا فَرْقَ بَيْنَ رَئِيسٍ وَمَرْءُوسٍ، وَتَابِعٍ وَمَتْبُوعٍ، بَلْ هَذَا لَا يَقَعُ مِنْ مُؤْمِنٍ حَقِيقِيٍّ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٣: ١٧٥) .
158
المجلد
العرض
28%
الصفحة
158
(تسللي: 157)