اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
وَذَهَبَ بَعْضُ الْجَامِدِينَ عَلَى الظَّوَاهِرِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشُّرْبِ هُنَا حَقِيقَتُهُ، وَزَعَمُوا أَنَّ مُوسَى لَمَّا سَحَقَ الْعِجْلَ وَذَرَّاهُ فِي الْيَمِّ طَفِقُوا يَشْرَبُونَ الْمَسْحُوقَ مَعَ الْمَاءِ، وَغَفَلَ صَاحِبُ هَذَا الزَّعْمِ عَنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: (فِي قُلُوبِهِمْ)، وَالشَّرَابُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَكُونُ فِي الْقَلْبِ، وَالشُّرْبُ غَيْرُ الْإِشْرَابِ.
وَلِبَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ مَزَاعِمُ وَقِصَصٌ فِي الْعِجْلِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا وَحْيٌ مُنَزَّلٌ وَلَا تَارِيخٌ صَحِيحٌ يُنْقَلُ، وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ (بِكُفْرِهِمْ) لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ: سَبَبُ هَذَا الْحُبِّ الشَّدِيدِ لِعِبَادَةِ الْعِجْلِ هُوَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْوَثَنِيَّةِ فِي مِصْرَ، فَقَدْ رَسَخَ الْكُفْرُ فِي قُلُوبِهِمْ بِطُولِ الزَّمَنِ، وَوَرِثَهُ الْأَبْنَاءُ عَنِ الْآبَاءِ.
وَأَمَّا السِّيَاقُ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ بِهَذَا النَّظْمِ وَالْأُسْلُوبِ الْمُخَالِفَيْنِ لِأُسْلُوبِ تِلْكَ الْآيَةِ مَعَ الْاتِّحَادِ فِي الْمَعْنَى، فَهُوَ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ - ﵌ - وَرَدُّ زَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ بِشَرِيعَةٍ لَا يُطَالِبُهُمُ اللهُ بِالْإِيْمَانِ بِغَيْرِهَا كَمَا قُلْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا؛ وَلِذَلِكَ خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - مُخَاطِبًا لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: (قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أَيْ إِنْ صَحَّ زَعْمُكُمْ أَنَّكُمْ مُؤْمِنُونَ بِشَرِيعَةٍ - وَالْإِيْمَانُ الْحَقِيقِيُّ يَقْتَضِي الْعَمَلَ بِمَا لَهُ مِنَ السُّلْطَانِ عَلَى الْإِرَادَةِ - فَبِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ ذَلِكَ الْإِيْمَانُ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي مِنْهَا عِبَادَةُ الْعِجْلِ، وَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ، وَنَقْضُ الْمِيثَاقِ. لَكِنَّ هَذَا الزَّعْمَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، بَلْ يَصِحُّ الْقَطْعُ بِعَدَمِهِ بِدَلِيلِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ أَثَرًا لَهُ. وَلَا يَنْسَى الْقَارِئُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رَبْطِ الْإِيْمَانِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) (٢: ٨١) الْآيَةَ.
هَذِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ بِطَبِيعَةِ الْإِيْمَانِ وَأَثَرِهِ فِي عَمَلِ الْمُؤْمِنِ. وَتَلِيهَا حُجَّةٌ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِفَائِدَةِ الْإِيْمَانِ وَمَثُوبَتِهِ فِي الْحَيَاةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ - ﷿ -: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) . الْمُرَادُ مِنَ الدَّارِ الْآخِرَةِ ثَوَابُهَا وَنَعِيمُهَا؛ لِأَنَّ حَالَ الْإِنْسَانِ فِيهَا لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ؛ الْمَثُوبَةِ بِالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، أَوِ الْعُقُوبَةِ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَاسْتَغْنَى
عَنِ التَّصْرِيحِ بِالنَّعِيمِ أَوِ الثَّوَابِ بِقَوْلِهِ (لَكُمْ) فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِالْمَحْذُوفِ، وَإِنَّمَا أَوْجَزَ هُنَا فِي خِطَابِ الْيَهُودِ؛ لِأَنَّهُ يَحْكِي عَنْ شَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ أَوْضَحَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: (خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ) وَالْخَالِصَةُ: هِيَ السَّالِمَةُ مِنَ الشَّوَائِبِ.
(قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ): فَسَّرَ مُفَسِّرُنَا (الْجَلَالُ) الْخَالِصَةَ بِالْخَاصَّةِ. وَقَالُوا: إِنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ، وَالتَّخْصِيصُ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ: (مِنْ دُونِ النَّاسِ) يَقُولُ: إِنْ صَحَّتْ دَعْوَاكُمْ وَصَدَقَ قَوْلُكُمْ إِنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا، وَأَنَّكُمْ شَعْبُ اللهِ الْمُخْتَارُ؛ فَلَنْ تَمَسَّكُمُ النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ لَا تَزِيدُ عَلَى أَيَّامِ عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَلَا تَتَجَاوَزُ عَابِدِيهِ، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ الَّذِي يُوصِلُكُمْ إِلَى ذَلِكَ النَّعِيمِ الْخَالِصِ الدَّائِمِ، لَا مُنَازِعَ لَكُمْ فِيهِ وَلَا مُزَاحِمَ، وَإِنْ لَمْ تَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ فَمَا أَنْتُمْ بِصَادِقِينَ؛ إِذْ لَا يُعْقَلُ أَنْ يَرْغَبَ الْإِنْسَانُ عَنِ السَّعَادَةِ وَيَخْتَارَ الشَّقَاءَ عَلَيْهَا.
: وَالتَّمَنِّي هُوَ ارْتِيَاحُ النَّفْسِ وَتَشَوُّفُهَا إِلَى الشَّيْءِ تَوَدُّهُ وَتُحِبُّ الْمَصِيرَ إِلَيْهِ.
321
المجلد
العرض
57%
الصفحة
321
(تسللي: 320)