اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللهَ - ﷿ - قَدْ وَكَلَ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ الْكَوْنِيَّةِ إِلَى
بَحْثِ الْإِنْسَانِ وَاشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْكَسْبِيَّةِ، وَلَوْ بَيَّنَ مَسَائِلَهَا بِالنَّصِّ الْقَاطِعِ لَجَاءَتْ مُخَالِفَةً لِعِلْمِ النَّاسِ وَاخْتِبَارِهِمْ فِي كُلِّ جِيلٍ لَمْ يَرْتَقِ الْعِلْمُ فِيهِ إِلَى أَعْلَى دَرَجَةٍ، وَلَكَانَتْ تِلْكَ الْمُخَالَفَةُ مِنْ أَسْبَابِ الشَّكِّ أَوِ التَّكْذِيبِ، فَإِنَّنَا نَرَى مِنَ النَّاسِ مَنْ يَطْعَنُ فِي كُتُبِ الْوَحْيِ لِتَفْسِيرِ بَعْضِ تِلْكَ الْأُمُورِ الْمُجْمَلَةِ بِمَا يَتَرَاءَى لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا فِيهِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ كِتَابَ الدِّينِ جَاءَ مُخَالِفًا لِلْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الَّذِي يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ اسْمَ الْعِلْمِ ظَنِّيًّا أَوْ فَرْضِيًّا.
فِي (الْمَلَكَيْنِ) قِرَاءَتَانِ، فَتْحُ اللَّامِ وَكَسْرُهَا، فَالْأُولَى قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَالثَّانِيَةُ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَأَبِي الْأَسْوَدِ وَالضَّحَّاكِ. وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ قِرَاءَةَ الْفَتْحِ عَلَى قِرَاءَةِ الْكَسْرِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قِيلَ إِنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا (دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ - ﵉ -) . . . وَقِيلَ. بَلْ هُمَا رَجُلَانِ صَاحِبَا وَقَارٍ وَسَمْتٍ فَشُبِّهَا بِالْمَلَائِكَةِ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمَا النَّاسُ بِالْحَوَائِجِ الْأَهْلِيَّةِ وَيُجِلُّونَهُمَا أَشَدَّ الْإِجْلَالِ فَشُبِّهَا بِالْمُلُوكِ، وَتِلْكَ عَادَةُ النَّاسِ فِيمَنْ يَنْفَرِدُ بِالصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ يَقُولُونَ: هَذَا مَلَكٌ وَلَيْسَ بِإِنْسَانٍ، كَمَا يَقُولُونَ فِيمَنْ كَانَ سَيِّدًا عَزِيزًا يُظْهِرُ الْغِنَى عَنِ النَّاسِ مِنْ حَيْثُ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ: " وَهَذَا سُلْطَانُ زَمَانِهِ "، جَلَّتْ حِكْمَةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ فَقَدْ قَدَّ هَؤُلَاءِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ أَدِيمٍ وَاحِدٍ، كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ - اللَّذَيْنِ كَانَ يُتَحَدَّثُ بِخَبَرِهِمَا وَلَا يُحَدَّدُ تَارِيخُهُمَا - عَلَى مِثَالِهِمُ الْيَوْمَ لَا يَقْصِدُونَ لِلْفَصْلِ فِي شُئُونِهِمُ الْأَهْلِيَّةِ مِنَ الْجِهَةِ الرُّوحَانِيَّةِ إِلَّا إِلَى أَهْلِ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ اللَّابِسِينَ لِبَاسَ أَهْلِ التَّقْوَى وَالصَّلَاحِ، هَذَا مَا نُشَاهِدُهُمْ عَلَيْهِ فِي زَمَانِنَا، وَهَذَا مَا حَكَى اللهُ - تَعَالَى - عَنْهُمْ فِي الزَّمَنِ الْقَدِيمِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: لَعَلَّ اللهَ - تَعَالَى - سَمَّاهُمَا مَلَكَيْنِ (بِفَتْحِ اللَّامِ) حِكَايَةً لِاعْتِقَادِ النَّاسِ فِيهِمَا، وَأَجَازَ أَيْضًا كَوْنَ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْمَلَكَيْنِ عَلَيْهِمَا مَجَازًا كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ - تَعَالَى - فِي الْيَهُودِ: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ)، وَالظَّاهِرُ مِنَ الْعَطْفِ أَنَّ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا هُوَ غَيْرُ السِّحْرِ ضُمَّ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ فِي كَوْنِ تَعْلِيمِهِ سَيِّئَةً مَذْمُومَةً أَوْ هُوَ لِتَغَايُرِ الِاعْتِبَارِ أَوِ النَّوْعِ. وَلَيْسَ مَعْنَى الْإِنْزَالِ عَلَيْهِمَا أَنَّهُ وَحْيٌ مِنَ اللهِ كَوَحْيِهِ لِلْأَنْبِيَاءِ، فَيُشْكِلُ عَدُّهُ مِنَ الشَّرِّ وَالْبَاطِلِ الَّذِي يُذَمُّ تَعَلُّمُهُ، فَإِنَّ كَلِمَةَ (أُنْزِلَ) تُسْتَعْمَلُ فِي مَوَاضِعَ لَا صِلَةَ بَيْنِهَا وَبَيْنَ وَحْيِ الْأَنْبِيَاءِ، قَالُوا: أُنْزِلَتْ حَاجَتِي عَلَى كِرِيمٍ، وَأُنْزِلَ لِيَ عَنْ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ،
وَيُقَالُ: قَدْ أُنْزِلَ الصَّبْرُ عَلَى قَلْبِ فُلَانٍ، وَقَالَ - تَعَالَى -: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) (٥٧: ٢٥) وَقَالَ: (ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (٩: ٢٦) . وَلَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَمَّا أُوتِيَاهُ مِنَ الْعِلْمِ بِالْإِنْزَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ لَهُ مَأْخَذٌ غَيْرُهُمَا، يُرَادُ أَنَّهُمَا أَلْهَمَاهُ إِلْهَامًا وَاهْتَدَيَا إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أُسْتَاذٍ وَلَا مُعَلِّمٍ. وَيَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى مِثْلُ هَذَا وَحْيًا لِخَفَاءِ مَنْبَعِهِ. وَلَيْسَ الْوَحْيُ إِلْهَامَ الْخَوَاطِرِ خَاصًّا فِي عُرْفِ اللُّغَةِ وَلَا عُرْفِ الْقُرْآنِ بِالْأَنْبِيَاءِ، وَلَا بِمَا يَكُونُ مَوْضُوعُهُ خَيْرًا أَوْ حَقًّا، فَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) (١٦: ٦٨)، وَقَالَ: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرَضِعِيهِ)
332
المجلد
العرض
59%
الصفحة
332
(تسللي: 331)