اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
الْكَائِنَاتِ الْمُمْكِنَةِ إِلَّا بِوُجُودِهِ حَتَّى إِنِّ الْمَلَاحِدَةَ الْمَادِّيِّينَ لَمَّا بَحَثُوا فِي أَصْلِ الْمَوْجُودَاتِ، وَارْتَقَوْا إِلَى مَعْرِفَةِ الْبَسَائِطِ الَّتِي تَرَكَّبَتْ مِنْهَا الْكَائِنَاتُ، قَالُوا: إِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَنْشَأٌ وَحْدَهُ مَجْهُولُ الذَّاتِ، ذُو قُوَّةٍ وَحَيَاةٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ اسْمَ الْجَلَالَةِ " اللهَ " عَلَمٌ عَلَى ذَاتِ الْبَارِي ﷾ تَجْرِي عَلَيْهِ الصِّفَاتُ وَلَا يُوَصَفُ بِهِ. وَلَفْظَ " الْإِلَهِ " صِفَةٌ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيَّ: الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ، وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِمْ تَسْمِيَةَ أَصْنَامِهِمْ آلِهَةً، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَأْلِيهَهَا وَعِبَادَتَهَا، لَا مُجَرَّدَ تَسْمِيَتِهَا، وَقَدْ سَمَّاهَا هُوَ آلِهَةً فِي قَوْلِهِ: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) (١١: ١٠١) وَلَا يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَصْدُ الْحِكَايَةِ.
وَمِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَوْلِنَا: أَنَّ لَفْظَ الْجَلَالَةِ (اللهَ) عَلَمٌ يُوصَفُ وَلَا يُوصَفُ بِهِ أَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ الْحُسْنَى صِفَاتٌ تَجْرِي عَلَى هَذَا الِاسْمِ الْعَظِيمِ، وَلِكَوْنِهَا صِفَاتٍ وُصِفَتْ بِالْحُسْنَى. قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) (٧: ١٨٠) وَتُسْنَدُ إِلَيْهِ تَعَالَى أَفْعَالُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَيُقَالُ: رَحِمَ اللهُ فُلَانًا، وَيَرْحَمُهُ اللهُ، وَاللهَمَّ ارْحَمْ فُلَانًا، وَتُضَافُ إِلَيْهِ مَصَادِرُهَا فَيُقَالُ: رَحْمَةُ اللهِ وَرُبُوبِيَّتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ
(إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (٧: ٥٦) وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ الْمُشْتَقَّةُ كُلٌّ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى ذَاتِ اللهِ تَعَالَى وَعَلَى الصِّفَةِ الَّتِي اشْتُقَّ مِنْهَا مَعًا بِالْمُطَابَقَةِ، وَعَلَى الذَّاتِ وَحْدَهَا أَوِ الصِّفَةِ بِالتَّضَمُّنِ، وَلِكُلٍّ مِنْهَا لَوَازِمُ يُدَلُّ عَلَيْهَا بِالِالْتِزَامِ، كَدَلَالَةِ الرَّحْمَنِ عَلَى الْإِحْسَانِ وَالْإِنْعَامِ، وَدَلَالَةِ الْحَكِيمِ عَلَى الْإِتْقَانِ وَالنِّظَامِ، وَدَلَالَةِ الرَّبِّ عَلَى الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ؛ لِأَنَّ الرَّبَّ الْكَامِلَ لَا يَتْرُكُ مَرْبُوبِيهِ سُدًى، وَمَنْ عَرَفَ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى، وَالصِّفَاتِ الْعُلْيَا، عَرَفَ أَنَّ اسْمَ الْجَلَالَةِ الْأَعْظَمَ (اللهَ) يَدُلُّ عَلَيْهَا كُلِّهَا وَعَلَى لَوَازِمِهَا الْكَمَالِيَّةِ وَعَلَى تَنَزُّهِهِ عَنْ أَضْدَادِهَا السَّلْبِيَّةِ، فَدَلَّ هَذَا الِاسْمُ الْأَعْلَى عَلَى اتِّصَافِ مُسَمَّاهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَتَنَزُّهِهِ عَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ، فَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، اهـ مَا أَحْبَبْتُ زِيَادَتَهُ الْآنَ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مَعْنَاهُ: وَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ مُشْتَقَّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَهِيَ مَعْنَى يُلِمُّ بِالْقَلْبِ فَيَبْعَثُ صَاحِبَهُ وَيَحْمِلُهُ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِالْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْبَشَرِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْبَشَرِ أَلَمٌ فِي النَّفْسِ شِفَاؤُهُ الْإِحْسَانُ وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْآلَامِ وَالِانْفِعَالَاتِ، فَالْمَعْنَى الْمَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ أَثَرُهَا وَهُوَ الْإِحْسَانُ. وَقَدْ مَشَى الْجَلَالُ فِي تَفْسِيرِهِ وَتَبِعَهُ الصَّبَّانُ عَلَى أَنَّ الرَّحْمَنَ وَالرَّحِيمَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّ الثَّانِيَ تَأْكِيدٌ لِلْأَوَّلِ. وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنْ يَصْدُرَ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ عَالِمٍ مُسْلِمٍ وَمَا هِيَ إِلَّا غَفْلَةٌ نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُسَامِحَ صَاحِبَهَا.
38
المجلد
العرض
7%
الصفحة
38
(تسللي: 37)