اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
وَإِنَّمَا صَلَاتُهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ هُنَاكَ مَشْرُوعَةٌ، عَلَى أَنَّ فِي سَنَدِ حَدِيثِ أَبِي نُعَيْمٍ مَقَالًا، وَالْخِطَابُ فِي الْأَصْلِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ - ﵇ - وَلَمْ تَكُنْ صَلَاتُنَا هَذِهِ صَلَاتَهُمْ، فَحَمْلُ الْمَقَامِ عَلَى جَمِيعِ شَعَائِرِ الْحَجِّ الَّتِي قَامَ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ وَالصَّلَاةِ عَلَى مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ الَّذِي يَشْمَلُ صَلَاةَ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ عَلَى عِبَادَتِهِ كَمَا يَشْمَلُ صَلَاتَنَا وَمَنَاسِكَنَا أَظْهَرُ، كَمَا قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ، وَالصَّلَاةُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ تَشْمَلُ الدُّعَاءَ وَالثَّنَاءَ عَلَى اللهِ، وَالتَّوَسُّلَ إِلَيْهِ بِكُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ يَدُلُّ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَيَقُولُ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ: حَيْثُمَا صَلَّيْتَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَثَمَّ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَالنَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ صَلَاةَ رَكْعَتِيِ الطَّوَافِ خَلْفَ الْبِنَاءِ الْمُرْتَفِعِ الَّذِي وُضِعَ فِيهِ الْحَجَرُ الَّذِي فِيهِ أَثَرُ قَدَمِ إِبْرَاهِيمَ - ﷺ - إِنْ أَمْكَنَ، وَالْمَرْوِيُّ أَنَّهُ كَانَ مُلَاصِقًا لِلْكَعْبَةِ فَأَخَّرَهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ عُمَرُ - ﵁ - كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عِنْدَهُمْ، وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجَاهِدٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - هُوَ الَّذِي أَخَّرَهُ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ مِنْ أَوَّلِ الْجُزْءِ الرَّابِعِ مَزِيدُ كَلَامٍ فِي هَذَا الْمُقَامِ.
قَالَ - تَعَالَى -: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) . . . إِلَخْ؛ عَهِدَ إِلَيْهِ بِالشَّيْءِ وَصَّاهُ بِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ اللهَ كَلَّفَهُمَا أَنْ يُطَهِّرَا ذَلِكَ الْمَكَانَ الَّذِي نَسَبَهُ إِلَيْهِ وَسَمَّاهُ بَيْتَهُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مَعْبَدًا يُعْبَدُ فِيهِ الْعِبَادَةَ الصَّحِيحَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَجِبُ أَنْ يُطَهِّرَاهُ مِنْهُ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ الرِّجْسِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ كَالشِّرْكِ وَأَصْنَامِهِ وَاللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَالتَّنَازُعِ.
وَتَخْصِيصُ اللهِ - تَعَالَى - ذَلِكَ الْبَيْتَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاتِهِ الْمُنَزَّهَةِ عَنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ، لَيْسَ لِخُصُوصِيَّةٍ فِي مَوْقِعِهِ وَلَا فِي أَحْجَارِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ بَيْتًا لِلَّهِ لِأَنَّ اللهَ - تَعَالَى - سَمَّاهُ بَيْتَهُ، وَأَمَرَ بِأَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمُصَلُّونَ، وَبِأَنْ يُعْبَدَ فِيهِ عِبَادَةً خَاصَّةً. وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْبَشَرَ يَعْجِزُونَ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى مَوْجُودٍ غَيْبِيٍّ مُطْلَقٍ لَا يَتَقَيَّدُ بِمَكَانٍ، وَلَا يَنْحَصِرُ فِي جِهَةٍ وَهُمْ فِي حَاجَةٍ إِلَى التَّوَجُّهِ إِلَى خَالِقِهِمْ وَشُكْرِهِ وَالتَّوَسُّلِ إِلَيْهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَاسْتِمْدَادِ رَحْمَتِهِ وَمَعُونَتِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَائِدَةِ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ يُعْلِي مَدَارِكَهُمْ عَنِ التَّقَيُّدِ فِي دَائِرَةِ الْأَسْبَابِ الْمَعْرُوفَةِ عَلَى ضِيقِهَا وَعَنِ الِاسْتِخْذَاءِ لِمَا لَا يَعْرِفُونَ لَهُ سَبَبًا، وَيَرْفَعُ نُفُوسَهُمْ عَنِ الرِّضَى بِالْحَيَاةِ الْحَيَوَانِيَّةِ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ أَنْ عَيَّنَ لَهُمْ مَكَانًا نَسَبَهُ إِلَيْهِ فَسَمَّاهُ بَيْتَهُ
رَمْزًا إِلَى أَنَّ ذَاتَهُ الْمُقَدَّسَةَ تَحْضُرُهُ، فَإِذَا كَانَ الْحُضُورُ الْحَقِيقِيُّ مُحَالًا عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا تَحْضُرُهُ رَحْمَتُهُ الْإِلَهِيَّةُ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ التَّوَجُّهُ إِلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ التَّوَجُّهِ إِلَى تِلْكَ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ، لَوْ وَجَدَ الْعَبْدُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، وَلَوْ كَلَّفَ اللهُ عِبَادَهُ بِعِبَادَتِهِ مُطْلَقًا - وَقَدْ عَلَّمَهُمْ بِنَظَرِ الْعَقْلِ وَإِرْشَادِ الشَّرْعِ أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ - لَوَقَعُوا فِي الْحَيْرَةِ وَالِاضْطِرَابِ لَا يَدْرُونَ كَيْفَ يَتَوَجَّهُونَ إِلَى ذَاتٍ غَيْبِيَّةٍ مُطْلَقَةً، وَلَوِ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ لِنَفْسِهِ عِبَادَةً تَلِيقُ بِهَذَا التَّنْزِيهِ الَّذِي أَرْشَدَ إِلَيْهِ الْكِتَابُ وَصَدَّقَهُ الْعَقْلُ، لَمَا اهْتَدَى إِلَيْهِ الْآخَرُونَ، وَبِذَلِكَ يَفْقِدُ الْمُؤْمِنُونَ الْجَامِعَةَ الَّتِي تَجْمَعُهُمْ عَلَى أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الَّتِي تُؤَلِّفُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، لِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ اللهَ رَحِمَهُمْ إِذْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ بَيْتًا يَقْصِدُونَهُ
380
المجلد
العرض
68%
الصفحة
380
(تسللي: 379)