اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ. وَيُقَالُ: رَجَعَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَأَبْلَغُهَا: انْقَلَبَ عَلَى عَقِبَيْهِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ رَجَعَ عَنْ خَيْرٍ إِلَى شَرٍّ، أَوْ مِنْ سُوءٍ إِلَى أَسْوَأَ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَمِنْ قَبِيلِ اسْتِعْمَالِ الْعِلْمِ فِي مُتَعَلِّقِهِ وَمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) (١٨: ١٠٩) الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ) (٣١: ٢٧) فَالْمُرَادُ مِنَ الْكَلِمَاتِ هُنَا: الْمَوْجُودَاتُ كُلُّهَا، عَبَّرَ عَنْهَا بِذَلِكَ ; لِأَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مِنْهَا وُجِدَ بِكَلِمَةِ اللهِ (كُنْ) اهـ.
أَقُولُ: وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي التَّعْبِيرُ عَنْ عِلْمِهِ تَعَالَى بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُجُودِهِ بِعِلْمِ الْغَيْبِ، وَبَعْدَ وُجُودِهِ بِعِلْمِ الشَّهَادَةِ كَمَا قُلْتُ آنِفًا، وَأَنَّ كَلِمَاتِ اللهِ فِي الْآيَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ كَلِمَاتُ التَّكْوِينِ أَنْفُسُهَا لَا مُتَعَلِّقَاتُهَا الَّتِي هِيَ الْمَوْجُودَاتُ، فَعِلْمُ اللهِ قِسْمَانِ: غَيْبٌ وَشَهَادَةٌ، وَكَلِمَاتُهُ قِسْمَانِ: تَشْرِيعٌ وَتَكْوِينٌ.
ثُمَّ قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً) أَيْ: وَإِنَّ الْقِبْلَةَ أَوْ قِصَّتَهَا فِي نَسْخِهَا وَالتَّحَوُّلِ عَنْهَا لَكَبِيرَةُ الشَّأْنِ شَدِيدَةُ الْوَقْعِ فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ، أَوْ مَا كَانَتْ إِلَّا كَبِيرَةً يَشُقُّ التَّحَوُّلُ عَنْهَا (إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) أَيْ: هَدَاهُمْ إِلَى الْمَعْرِفَةِ بِهِ وَالْعِلْمِ بِحِكَمِ شَرْعِهِ، فَعَقَلُوا أَنَّ التَّعَبُّدَ بِهَا إِنَّمَا يَكُونُ بِطَاعَةِ اللهِ بِهَا لَا بِسِرٍّ فِي ذَاتِهَا أَوْ مَكَانِهَا، وَأَنَّ حِكْمَتَهَا اجْتِمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَيْهَا الَّذِي هُوَ مِنْ أَسْبَابِ اتِّحَادِهِمْ وَجَمْعِ كَلِمَتِهِمْ.
(وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أَقُولُ: أَيْ وَمَا كَانَ مِنْ شَأْنِ اللهِ فِي حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ أَنْ يُضِيعَ إِيمَانَكُمُ الْبَاعِثَ لَكُمْ عَلَى اتِّبَاعِ الرَّسُولِ فِي الصَّلَاةِ وَالْقِبْلَةِ، فَلَوْ كَانَ نَسْخُ الْقِبْلَةِ مِمَّا يُضِيعُ الْإِيمَانَ بِنَقْضِهِ أَوْ نَقْصِهِ أَوْ فَوْتِ ثَوَابِ مَا كَانَ قَبْلَهُ لَمَا نَسَخَهَا. أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَمِنْهُمُ (الْجَلَالُ) عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيمَانِ هُنَا الصَّلَاةُ، إِذْ وَرَدَ أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ أَحَبُّوا أَنْ يَعْرِفُوا حَالَ صَلَاتِهِمْ قَبْلَ التَّحْوِيلِ أَوْ صَلَاةَ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يُصَلِّ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّهُ يَتَقَبَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ مَا كَانَ أَثَرَ الْإِيمَانِ الْخَالِصِ ; أَيْ: مَتَى كُنْتُمْ تُصَلُّونَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا لَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، فَصَلَاتُكُمْ مَقْبُولَةٌ ; لِأَنَّهَا أَثَرُ الْإِيمَانِ الرَّاسِخِ فِي الْقَلْبِ الْمُصْلِحِ لِلنَّفْسِ، فَتَسْمِيَةُ الصَّلَاةِ عَلَى هَذَا إِيمَانًا لَيْسَ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ أَرْكَانِ الدِّينِ، بَلْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ مَزِيَّتَهَا فِي مَنْشَئِهَا الْبَاعِثِ عَلَيْهَا مِنَ الْإِيمَانِ وَالْإِخْلَاصِ، وَلِذَلِكَ يُقْرَنُ الْإِيمَانُ دَائِمًا بِذِكْرِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَالصَّلَاةُ آيَةُ الْإِيمَانِ الْقَلْبِيَّةِ الْخَفِيَّةِ ; لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ آيَةً إِلَّا بِإِخْلَاصِ الْقَلْبِ، وَالزَّكَاةُ هِيَ الدَّلِيلُ الْحِسِّيُّ الظَّاهِرُ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَغُشُّ الْجَاهِلُ نَفْسَهُ بِالصَّلَاةِ فَيَتَوَهَّمُ أَنَّهُ أَقَامَهَا كَمَا أَمَرَ اللهُ إِذَا أَدَّى هَذِهِ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ الَّتِي هِيَ صُورَتُهَا وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ خَالِيَةً مِنْ رُوحِ الْإِخْلَاصِ وَالتَّوَجُّهِ الْقَلْبِيِّ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّ
9
المجلد
العرض
73%
الصفحة
9
(تسللي: 410)