اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
وَتَخْرُجُ بِهَا مِنْ ظُلُمَاتِ الْوَثَنِيَّةِ، وَالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَتَهَذَّبُ بِهَا النُّفُوسُ وَتَتَزَكَّى مِنَ الصِّفَاتِ الْبَهِيمِيَّةِ، وَقَوَانِينَ الْعِبَادَةِ الَّتِي تُغَذِّي الْعَقَائِدَ وَالْأَخْلَاقَ، حَتَّى لَا يَعْتَرِيَهَا كُسُوفٌ وَلَا مِحَاقٌ.
فَالدِّينُ وَضْعٌ إِلَهِيٌّ يُحْسِنُ اللهُ تَعَالَى بِهِ إِلَى الْبَشَرِ عَلَى لِسَانِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا كَسْبَ لَهُ فِيهِ وَلَا صُنْعَ، وَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ بِتَلَقٍّ وَلَا تَعَلُّمٍ (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (٥٣: ٤) فَيَجِبُ أَنْ يُحَبَّ صَاحِبُ هَذَا الْإِحْسَانِ ﷾ حُبًّا لَا يُشْرَكُ بِهِ مَعَهُ أَحَدٌ، وَلَكِنَّ مُتَّخِذِي الْأَنْدَادِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي فِي كَلَامِنَا قَدْ أَشْرَكُوا أَنْدَادَهُمْ مَعَ اللهِ تَعَالَى فِي هَذَا الْحُبِّ ; إِذْ جَعَلُوا لَهُمْ شَرِكَةً فِي هَذَا الْإِحْسَانِ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَكَمَا يَأْخُذُونَ بِآرَائِهِمْ عَلَى أَنَّهَا دِينٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمُوا مِنْ أَيْنَ أَخَذُوهَا - وَإِنْ لَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِذَلِكَ بَلْ
وَإِنْ نَهَوْهُمْ عَنْهُ - يَتَمَسَّكُونَ كَذَلِكَ بِتَأْوِيلِهِمْ لِمَا أَنْزَلَ اللهُ، كَأَنَّ التَّأْوِيلَ أُنْزِلَ مَعَهُ بِدُونِ اسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ وَدَلَالَةِ اللُّغَةِ وَبَقِيَّةِ نُصُوصِ الدِّينِ لِلْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ وَانْطِبَاقِهِ عَلَى الْحَقِّ.
وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا فَإِنَّهُمْ يُوَحِّدُونَ اللهَ تَعَالَى وَيَخُصُّونَهُ بِهَذَا الْحُبِّ كَمَا يُوَحِّدُونَهُ بِالتَّشْرِيعِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَ الدِّينَ إِلَّا عَنِ الْوَحْيِ، وَلَا يَفْهَمُونَهُ إِلَّا بِقَرَائِنِ مَا جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ، وَإِنَّمَا الْأَئِمَّةُ وَالْعُلَمَاءُ نَاقِلُونَ لِلنُّصُوصِ وَمُبَيِّنُونَ لَهَا، بَلْ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِلنَّبِيِّ نَفْسِهِ: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (١٦: ٤٤) فَهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ يَسْتَرْشِدُونَ بِنَقْلِهِمْ وَبَيَانِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يُقَلِّدُونَهُمْ فِي عَقَائِدِهِمْ وَلَا عِبَادَتِهِمْ، وَلَا يَأْخُذُونَ بِآرَائِهِمْ فِي الدِّينِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ سَيْرِ الْأَرْوَاحِ مِنْ عَالَمٍ إِلَى عَالَمٍ ; بَلْ يَجُوزُونَ كُلَّ عَقَبَةٍ وَيَدُوسُونَ كُلَّ رِئَاسَةٍ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ وَابْتِغَاءِ رِضْوَانِهِ، فَهُمْ مُتَعَلِّقُونَ بِاللهِ وَمُخْلِصُونَ لَهُ (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفًى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (٣٩: ٣) (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (٩٨: ٥) (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) (١٢: ٤٠) فَالْمُؤْمِنُونَ هُمُ الْمُخْلِصُونَ لِلَّهِ فِي دِينِهِمُ الَّذِينَ لَا يَأْخُذُونَ أَحْكَامَهُ إِلَّا عَنْ وَحْيِهِ، وَأَمَّا مُتَّخِذُو الْأَنْدَادِ وَمُحِبُّوهُمْ بِهَذَا الْمَعْنَى فَهُمُ الَّذِينَ وَرَدَ فِي بَعْضِهِمْ (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) (٢٤: ٤٨) فَهُمْ لَا يَقْبَلُونَ حُكْمَ اللهِ فِي كِتَابِهِ وَلَكِنْ إِذَا دُعُوا لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِآرَاءِ رُؤَسَائِهِمْ أَقْبَلُوا مُذْعِنِينَ.
بَعْدَ هَذَا ذَكَرَ اللهُ وَعِيدَ مُتَّخِذِي الْأَنْدَادِ عَلَى سُنَّةِ الْقُرْآنِ فَقَالَ: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) .
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَنَافِعٌ وَيَعْقُوبُ: (وَلَوْ تَرَى) بِالتَّاءِ، عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - وَخَبَرُهُ لَرَأَيْتَ أَمْرًا عَظِيمًا وَخَطْبًا فَظِيعًا، وَقَرَأَهَا الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ «إِنَّ» فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ أَوْ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ ; أَيْ: لَوْ يُشَاهِدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَدْنِيسِهَا بِالشِّرْكِ، وَظَلَمُوا النَّاسَ بِمَا غَشُّوهُمْ بِهِ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ فَحَمَلُوهُمْ عَلَى أَنْ يَتْلُوَا تِلْوَهُمْ،
57
المجلد
العرض
82%
الصفحة
57
(تسللي: 458)