اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
اللهُ تَعَالَى وَيَأْمُرُ بِهِ، وَنَرْجِعُ إِلَى أَنْفُسِنَا لِنَرَى هَلْ نَحْنُ مُتَّصِفُونَ بِهِ؟ وَنَنْظُرُ فِي الْقَبِيحِ الَّذِي يَذُمُّهُ وَيَنْهَى عَنْهُ كَذَلِكَ، ثُمَّ نَجْتَهِدُ فِي تَزْكِيَةِ أَنْفُسِنَا مِنَ الْقَبِيحِ وَتَحْلِيَتِهَا بِالْحُسْنِ. وَهَاهُنَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَبْحَثَ وَنَنْظُرَ هَلِ اتَّخَذَ الْمُسْلِمُونَ أَنْدَادًا كَمَا اتَّخَذَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَنْدَادًا أَمْ لَا؟ فَإِنَّ هَذَا أَهَمُّ مَا يَبْحَثُ فِيهِ قَارِئُ الْقُرْآنِ. ثُمَّ قَالَ مَا مِثَالُهُ:
اشْتَبَهَ عَلَى بَعْضِ الْبَاحِثِينَ السَّبَبُ فِي سُقُوطِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَهْلِ الْعَمِيمِ - إِلَّا أَفْرَادًا فِي بَعْضِ شُعُوبِهِمْ لَا يَكَادُ يَظْهَرُ لَهُمْ أَثَرٌ - وَبَحَثُوا فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ وَمَا حَدَثَ فِيهِ فَكَانَ لَهُ الْأَثَرُ الْعَظِيمُ فِي الِانْقِلَابِ، وَكَانَ مِنْ أَهَمِّ الْمَسَائِلِ الَّتِي عَرَضَتْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَسْأَلَةُ التَّصَوُّفِ، وَظَنُّوا أَنَّ التَّصَوُّفَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ لِسُقُوطِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَهْلِ بِدِينِهِمْ وَبُعْدِهِمْ عَنِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ أَسَاسُ عَقَائِدِهِمْ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا كَمَا ظَنُّوا، وَلَيْسَ مِنْ غَرَضِنَا هُنَا ذِكْرُ تَارِيخِهِ وَبَيَانُ أَحْكَامِهِ وَطُرُقِهِ، وَإِنَّمَا نَذْكُرُ الْغَرَضَ مِنْهُ بِالْإِجْمَالِ، وَمَا كَانَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ.
ظَهَرَ التَّصَوُّفُ فِي الْقُرُونِ الْأُولَى لِلْإِسْلَامِ فَكَانَ لَهُ شَأْنٌ كَبِيرٌ وَكَانَ الْغَرَضُ مِنْهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ تَهْذِيبَ الْأَخْلَاقِ وَتَرْوِيضَ النَّفْسِ بِأَعْمَالِ الدِّينِ، وَجَذْبَهَا إِلَيْهِ وَجَعْلَهُ وِجْدَانًا لَهَا، وَتَعْرِيفَهَا بِأَسْرَارِهِ وَحِكَمِهِ بِالتَّدْرِيجِ. ابْتُلِيَ الصُّوفِيَّةُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمْ بِالْفُقَهَاءِ الَّذِينَ جَمَدُوا عَلَى ظَوَاهِرِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْجَوَارِحِ وَالتَّعَامُلِ، فَكَانَ هَؤُلَاءِ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةَ أَسْرَارِ الدِّينِ وَيَرْمُونَهُمْ بِالْكُفْرِ، وَكَانَتِ الدَّوْلَةُ وَالسُّلْطَةُ لِلْفُقَهَاءِ لِحَاجَةِ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ إِلَيْهِمْ، فَاضْطَرَّ الصُّوفِيَّةُ إِلَى إِخْفَاءِ أَمْرِهِمْ، وَوَضْعِ الرُّمُوزِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ الْخَاصَّةِ بِهِمْ، وَعَدَمِ قَبُولِ أَحَدٍ مَعَهُمْ إِلَّا بِشُرُوطٍ وَاخْتِبَارٍ طَوِيلٍ، فَقَالُوا: لَا بُدَّ فِيمَنْ يَكُونُ مِنَّا أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا طَالِبًا فَمُرِيدًا فَسَالِكًا
وَبَعْدَ السُّلُوكِ إِمَّا أَنْ يَصِلَ وَإِمَّا أَنْ يَنْقَطِعَ، فَكَانُوا يَخْتَبِرُونَ أَخْلَاقَ الطَّالِبِ وَأَطْوَارَهُ زَمَنًا طَوِيلًا لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ صَحِيحُ الْإِرَادَةِ صَادِقُ الْعَزِيمَةِ لَا يَقْصِدُ مُجَرَّدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى حَالِهِمْ، وَالْوُقُوفِ عَلَى أَسْرَارِهِمْ، وَبَعْدَ الثِّقَةِ يَأْخُذُونَهُ بِالتَّدْرِيجِ رُوَيْدًا رُوَيْدًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ جَعَلُوا لِلشَّيْخِ (الْمَسْلَكِ) سُلْطَةً خَاصَّةً عَلَى مُرِيدِيهِ، حَتَّى قَالُوا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرِيدُ مَعَ الشَّيْخِ كَالْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الْغَاسِلِ ; لِأَنَّ الشَّيْخَ يَعْرِفُ أَمْرَاضَهُ الرُّوحِيَّةَ وَعِلَاجَهَا، فَإِذَا أُبِيحَ لَهُ مُنَاقَشَتُهُ وَمُطَالَبَتُهُ بِالدَّلِيلِ تَتَعَسَّرُ مُعَالَجَتُهُ أَوْ تَتَعَذَّرُ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّسْلِيمِ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ مُنَازَعَةٍ، حَتَّى لَوْ أَمَرَهُ بِمَعْصِيَةٍ لَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهَا لِخَيْرِهِ، وَأَنَّ فِعْلَهَا نَافِعٌ لَهُ وَمُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ، فَكَانَ مِنْ قَوَاعِدِهِمُ التَّسْلِيمُ الْمَحْضُ وَالطَّاعَةُ الْعَمْيَاءُ، وَقَالُوا: إِنَّ الْوُصُولَ إِلَى الْعِرْفَانِ الْمُطْلَقِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِهَذَا. ثُمَّ أَحْدَثُوا إِظْهَارَ قُبُورِ مَنْ يَمُوتُ مِنْ شُيُوخِهِمْ وَالْعِنَايَةَ بِزِيَارَتِهَا لِأَجْلِ تَذَكُّرِ سُلُوكِهِمْ وَمُجَاهَدَتِهِمْ، وَأَحْوَالِهِمْ وَمُشَاهَدَتِهِمْ ; لِأَنَّ التَّذَكُّرَ مِنْ أَسْبَابِ الْقُدْوَةِ وَالتَّأَسِّي، وَالتَّأَسِّي هُوَ طَرِيقُ التَّرْبِيَةِ الْقَوِيمُ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ.
فَظَهَرَ مِنْ هَذَا الْإِجْمَالِ أَنَّ قَصْدَهُمْ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ كَانَ صَحِيحًا، وَأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يُرِيدُونَ
59
المجلد
العرض
82%
الصفحة
59
(تسللي: 460)