اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
بِهِ، كَأَنَّهُ مِمَّا يُطِيقُهُ وَيُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ، فَلَا يَتْرُكُ ضَلَالَتَهُ اتِّقَاءً لَهُ، وَصِيغَةُ التَّعَجُّبِ قَالُوا يُرَادُ بِهَا تَعْجِيبُ النَّاسِ مِنْ شَأْنِهِمْ إِذْ لَا تُتَصَوَّرُ حَقِيقَةُ التَّعَجُّبِ مِنَ اللهِ تَعَالَى ; إِذْ لَا شَيْءَ غَرِيبٌ عِنْدَهُ ﷿ وَلَا مَجْهُولٌ سَبَبُهُ، وَهُوَ الْعَالِمُ بِظَوَاهِرِ الْأَشْيَاءِ وَخَوَافِيهَا، وَحَاضِرُهَا عِنْدَهُ كَمَاضِيهَا وَآتِيهَا (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (٣٤: ٣) وَالصَّبْرُ عَلَى النَّارِ غَيْرُ وَاقِعٍ مِنْهُمْ فَيُتَعَجَّبُ مِنْهُ حَالًا، وَلَا مُتَوَقَّعٍ فَيُتَعَجَّبُ مِنْهُ مَآلًا، فَلَا صَبْرَ هُنَالِكَ يُتَعَجَّبُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا حَالُهُمْ فِي تَهَوُّكِهِمْ وَانْهِمَاكِهِمْ فِي الْعَبَثِ بِدِينِ اللهِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ مَوْضِعَ التَّعَجُّبِ لِلتَّنْفِيرِ وَالتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ،
وَلَكِنْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ إِسْنَادُ الْعَجَبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَطَرِيقَةُ السَّلَفِ فِي مِثْلِهِ أَنْ يُقَالَ: عَجَبٌ يَلِيقُ بِهِ لَيْسَ كَعَجَبِ الْبَشَرِ مِمَّا يُكْبِرُونَ أَمْرَهُ وَيَجْهَلُونَ سَبَبَهُ، وَيَتَأَوَّلُهُ الْأَكْثَرُونَ بِالرِّضَى مِنَ الْمُتَعَجَّبِ مِنْهُ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الْعِبَارَةِ مَا مَعْنَاهُ مَبْسُوطًا: إِنَّ الْكَلَامَ فِي أَكْلِهِمُ النَّارَ وَالتَّعَجُّبِ مِنْ صَبْرِهِمْ عَلَى النَّارِ هُوَ تَصْوِيرٌ لِحَالِهِمْ وَتَمْثِيلٌ لِمَآلِهِمْ. أَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيَتَجَلَّى لَكَ إِذَا تَمَثَّلْتَ حَالَ قَوْمٍ عِنْدَهُمْ كِتَابٌ يُؤْمِنُونَ أَنَّهُ مِنَ اللهِ، وَيُؤْمِنُونَ بِلِقَاءِ اللهِ، وَقَدْ كَتَمُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ كَمَا فَعَلَ الْيَهُودُ بِكِتْمَانِ وَصْفِ الرَّسُولِ، وَهُمْ يُقَارَعُونَ بِالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ، وَيُذَكَّرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَيَّامِهِ فَيَشْعُرُونَ بِجَاذِبَيْنِ مُتَعَاكِسَيْنِ: جَاذِبِ الْحَقِّ الَّذِي عَرَفُوهُ، وَجَاذَبِ الْبَاطِلِ الَّذِي أَلِفُوهُ، ذَاكَ يُحْدِثُ لَهُمْ هِزَّةً وَتَأْثِيرًا، وَهَذَا يُحْدِثُ لَهُمُ اسْتِكْبَارًا وَنُفُورًا، وَقَدْ غَلَبَ عُقُولَهُمْ مَا عَرَفُوا، وَغَلَبَ قُلُوبَهُمْ مَا أَلِفُوا، فَثَبَتُوا عَلَى مَا حَرَّفُوا وَانْحَرَفُوا، وَصَارُوا إِلَى حَرْبٍ عَوَانٍ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالْوِجْدَانِ، يَتَصَوَّرُونَ الْخَطَرَ الْآجِلَ فَيَتَنَغَّصُ عَلَيْهِمُ التَّلَذُّذُ بِالْعَاجِلِ، وَيَتَذَوَّقُونَ حَلَاوَةَ مَا هُمْ فِيهِ فَيُؤْثِرُونَهُ عَلَى مَا سَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ.
أَلَيْسَ هَذَا الشُّعُورُ بِخَذْلِ الْحَقِّ وَنَصْرِ الْبَاطِلِ، وَاخْتِيَارِ مَا يَفْنَى عَلَى مَا يَبْقَى نَارًا تَشِبُّ فِي الضُّلُوعِ؟ أَلَيْسَ مَا يَأْكُلُونَهُ مِنْ ثَمَنِ الْحَقِّ ضَرِيعًا لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ؟ بَلَى ; فَإِنَّ عَذَابَ الْبَاطِنِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الظَّاهِرِ، كَمَا يُومِئُ إِلَيْهِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
دُخُولُ النَّارِ لِلْمَهْجُورِ خَيْرٌ ... مِنَ الْهَجْرِ الَّذِي هُوَ يَتَّقِيهِ
لِأَنَّ دُخُولَهُ فِي النَّارِ أَدْنَى ... عَذَابًا مِنْ دُخُولِ النَّارِ فِيهِ
فَهَذَا تَأْوِيلٌ وَجِيهٌ لِأَكْلِهِمُ النَّارَ وَلِلتَّعَجُّبِ مِنْ صَبْرِهِمْ عَلَى النَّارِ، نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ الْإِلَهِيُّ وَظَهَرَ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ - ﷺ - وَإِنَّ أَرْبَابَ الْأَرْوَاحِ الْعَالِيَةِ وَالْمَرَائِي الصَّافِيَةِ تَتَمَثَّلُ لَهُمُ الْمَعَانِي بِأَتَمِّ مَا تَتَمَثَّلُ بِهِ لِسَائِرِ الْأَرْوَاحِ الْمَحْجُوبَةِ بِالظَّوَاهِرِ، الْمَخْدُوعَةِ بِالْمَظَاهِرِ، الَّتِي يَصْرِفُهَا الِاشْتِغَالُ بِالْحِسِّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَرَاتِبِ النَّفْسِ. فَلَا غَرْوَ إِذَا
تَمَثَّلَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ
86
المجلد
العرض
87%
الصفحة
86
(تسللي: 487)