تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ» فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا» فَكَانَتْ عَزْمَةً فَأَفْطَرْنَا - الْحَدِيثَ. ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي السَّفَرِ. وَرَوَى الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ» وَفِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ أَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» فَدَلَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ صِيَامِ رَمَضَانَ ; لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا تُطْلَقَ فِي مُقَابِلِ الْوَاجِبِ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ جَعْفَرٍ (الصَّادِقِ) عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ (الْبَاقِرِ) ابْنِ عَلِيٍّ (زَيْنِ الْعَابِدِينَ) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ
إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ - كُرَاعُ بِالضَّمِّ وَالْغَمِيمِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ وَادٍ أَمَامَ عَسْفَانَ - وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ وَصَامَ بَعْضُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» أَيْ: لِأَنَّهُمْ أَبَوُا الِاقْتِدَاءَ بِهِ ﷺ فِي قَبُولِ الرُّخْصَةِ وَالْحَالُ حَالُ مَشَقَّةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى تَقَدَّمَتْ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا لِلِاسْتِعَانَةِ عَلَى لِقَاءِ عَدُوِّهِمْ فَالْعِصْيَانُ ظَاهِرٌ.
وَرَوَى أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ. فَقَالَ «مَا هَذَا؟» فَقَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» وَذَكَرَ الْحَافِظُ فِي شَرْحِهِ مِنَ الْفَتْحِ الْخِلَافَ فِي الْأَفْضَلِ مِنَ الصِّيَامِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَقَالَ: الْحَاصِلُ أَنَّ الصَّوْمَ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنَ الْفِطْرِ، وَالْفِطْرُ لِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَوْ أَعْرَضَ عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْمَشَقَّةُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ عَنِ الْفَرْضِ بَلْ مَنْ صَامَ فِي السَّفَرِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فِي الْحَضَرِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) وَلِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» وَمُقَابَلَةُ الْبِرِّ الْإِثْمُ، وَإِذَا كَانَ آثِمًا بِصَوْمِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ
وَرَوَى مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ جَعْفَرٍ (الصَّادِقِ) عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ (الْبَاقِرِ) ابْنِ عَلِيٍّ (زَيْنِ الْعَابِدِينَ) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ
إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ - كُرَاعُ بِالضَّمِّ وَالْغَمِيمِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ وَادٍ أَمَامَ عَسْفَانَ - وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ وَصَامَ بَعْضُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» أَيْ: لِأَنَّهُمْ أَبَوُا الِاقْتِدَاءَ بِهِ ﷺ فِي قَبُولِ الرُّخْصَةِ وَالْحَالُ حَالُ مَشَقَّةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى تَقَدَّمَتْ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا لِلِاسْتِعَانَةِ عَلَى لِقَاءِ عَدُوِّهِمْ فَالْعِصْيَانُ ظَاهِرٌ.
وَرَوَى أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ. فَقَالَ «مَا هَذَا؟» فَقَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» وَذَكَرَ الْحَافِظُ فِي شَرْحِهِ مِنَ الْفَتْحِ الْخِلَافَ فِي الْأَفْضَلِ مِنَ الصِّيَامِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَقَالَ: الْحَاصِلُ أَنَّ الصَّوْمَ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنَ الْفِطْرِ، وَالْفِطْرُ لِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَوْ أَعْرَضَ عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْمَشَقَّةُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ عَنِ الْفَرْضِ بَلْ مَنْ صَامَ فِي السَّفَرِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فِي الْحَضَرِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) وَلِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» وَمُقَابَلَةُ الْبِرِّ الْإِثْمُ، وَإِذَا كَانَ آثِمًا بِصَوْمِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ
123