تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
بِبَعِيدٍ مِنَ الْعَرَبِ أَوِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ اعْتَادُوا أَنْ يَتَّخِذُوا وَسَائِلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ إِلَهِهِمْ يُقَرِّبُونَهُمْ إِلَى خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهَؤُلَاءِ الْوَسَائِلُ وَالْوَسَائِطُ إِمَّا أَشْخَاصٌ وَإِمَّا أَمْثِلَةُ أَشْخَاصٍ كَالتَّمَاثِيلِ وَالْأَصْنَامِ، وَلَمْ يَهْتَدُوا بِأَنْفُسِهِمْ إِلَى التَّجَرُّدِ لِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ الْإِلَهِ الْوَاحِدِ الْعَظِيمِ بِأَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِشَيْءٍ حَتَّى هَدَاهُمْ إِلَيْهِ الْقُرْآنُ بِآيَاتِهِ الْبَيِّنَاتِ، فَكَانُوا أَهْلَ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ.
وَلَكِنَّ الْآيَةَ جَاءَتْ بَيْنَ آيَاتِ الصِّيَامِ، فَهِيَ لَيْسَتْ بِأَجْنَبِيَّةٍ مِنْهَا وَإِنَّمَا هِيَ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبْلَهَا مِنَ الْأَحْكَامِ، فَقَدْ طَالَبَنَا فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ بِإِكْمَالِ عِدَّةِ الصِّيَامِ وَبِتَكْبِيرِ اللهِ تَعَالَى، وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ يُعِدُّنَا لِشُكْرِهِ تَعَالَى، وَالتَّكْبِيرُ وَالشُّكْرُ يَكُونَانِ بِالْقَوْلِ نَحْوَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، كَمَا يَكُونَانِ بِالْعَمَلِ، وَمَا كَانَ بِالْقَوْلِ يَأْتِي فِيهِ السُّؤَالُ: هَلْ يَكُونُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وَالْمُنَادَاةِ، أَمْ بِالْمُخَافَتَةِ وَالْمُنَاجَاةِ! فَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ جَوَابًا عَنْ هَذَا السُّؤَالِ الَّذِي يُتَوَقَّعُ إِنْ لَمْ يَقَعْ، فَهِيَ فِي مَحَلِّهَا سَوَاءٌ صَحَّ مَا رَوَوْهُ فِي سَبَبِهَا أَمْ لَا.
(قَالَ): وَيُرْوَى فِي نُزُولِهَا سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَمِعَ الْمُسْلِمِينَ يَدْعُونَ اللهَ تَعَالَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ فَقَالَ لَهُمْ: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمًّا وَلَا غَائِبًا» وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تُفِيدُنَا الْآيَةُ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَهُوَ: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي رَفْعُ الصَّوْتِ فِي عِبَادَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ إِلَّا بِالْمِقْدَارِ الَّذِي حَدَّدَهُ الشَّرْعُ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَسْمَعَ مَنْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ، وَمَنْ بَالَغَ فِي رَفْعِ صَوْتِهِ رُبَّمَا بَطُلَتْ صَلَاتُهُ،
وَمَنْ تَعَمَّدَ الْمُبَالَغَةَ فِي الصِّيَاحِ فِي دُعَائِهِ أَوِ الصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ كَانَ إِلَى عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ.
(أَقُولُ): أَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ إِلَى أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمًّا وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ» وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ إِذَا عَلَوْا عَقَبَةً أَوْ ثَنِيَّةً. وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ ذِكْرُ الْآيَةِ وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ فِي الْمَقَامِ ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ مِنَ النَّهْيِ، فَكَانَ الْحَدِيثُ تَفْسِيرًا لَهَا بَلْ هُوَ عَمَلٌ بِهَا. وَذَكَرَهُ ابْنُ الْعَادِلِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ أَسْبَابِ نُزُولِهَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) هَذَا الْتِفَاتٌ عَنْ خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ كَافَّةً بِأَحْكَامِ الصِّيَامِ، إِلَى خِطَابِ الرَّسُولِ - ﷺ -، بِأَنْ يُذَكِّرَهُمْ وَيُعَلِّمَهُمْ مَا يُرَاعُونَهُ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الطَّاعَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ بِالدُّعَاءِ الَّذِي يُعِدُّهُمْ لِلْهُدَى وَالرَّشَادِ، وَجُعِلَتْ بِأُسْلُوبِ الْفَتْوَى عَلَى تَقْدِيرِ السُّؤَالِ لِتَنْبِيهِ الْأَذْهَانِ، وَالْمُرَادُ أَنْ يُؤْمِنُوا
وَلَكِنَّ الْآيَةَ جَاءَتْ بَيْنَ آيَاتِ الصِّيَامِ، فَهِيَ لَيْسَتْ بِأَجْنَبِيَّةٍ مِنْهَا وَإِنَّمَا هِيَ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبْلَهَا مِنَ الْأَحْكَامِ، فَقَدْ طَالَبَنَا فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ بِإِكْمَالِ عِدَّةِ الصِّيَامِ وَبِتَكْبِيرِ اللهِ تَعَالَى، وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ يُعِدُّنَا لِشُكْرِهِ تَعَالَى، وَالتَّكْبِيرُ وَالشُّكْرُ يَكُونَانِ بِالْقَوْلِ نَحْوَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، كَمَا يَكُونَانِ بِالْعَمَلِ، وَمَا كَانَ بِالْقَوْلِ يَأْتِي فِيهِ السُّؤَالُ: هَلْ يَكُونُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وَالْمُنَادَاةِ، أَمْ بِالْمُخَافَتَةِ وَالْمُنَاجَاةِ! فَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ جَوَابًا عَنْ هَذَا السُّؤَالِ الَّذِي يُتَوَقَّعُ إِنْ لَمْ يَقَعْ، فَهِيَ فِي مَحَلِّهَا سَوَاءٌ صَحَّ مَا رَوَوْهُ فِي سَبَبِهَا أَمْ لَا.
(قَالَ): وَيُرْوَى فِي نُزُولِهَا سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَمِعَ الْمُسْلِمِينَ يَدْعُونَ اللهَ تَعَالَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ فَقَالَ لَهُمْ: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمًّا وَلَا غَائِبًا» وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تُفِيدُنَا الْآيَةُ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَهُوَ: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي رَفْعُ الصَّوْتِ فِي عِبَادَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ إِلَّا بِالْمِقْدَارِ الَّذِي حَدَّدَهُ الشَّرْعُ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَسْمَعَ مَنْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ، وَمَنْ بَالَغَ فِي رَفْعِ صَوْتِهِ رُبَّمَا بَطُلَتْ صَلَاتُهُ،
وَمَنْ تَعَمَّدَ الْمُبَالَغَةَ فِي الصِّيَاحِ فِي دُعَائِهِ أَوِ الصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ كَانَ إِلَى عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ.
(أَقُولُ): أَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ إِلَى أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمًّا وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ» وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ إِذَا عَلَوْا عَقَبَةً أَوْ ثَنِيَّةً. وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ ذِكْرُ الْآيَةِ وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ فِي الْمَقَامِ ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ مِنَ النَّهْيِ، فَكَانَ الْحَدِيثُ تَفْسِيرًا لَهَا بَلْ هُوَ عَمَلٌ بِهَا. وَذَكَرَهُ ابْنُ الْعَادِلِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ أَسْبَابِ نُزُولِهَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) هَذَا الْتِفَاتٌ عَنْ خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ كَافَّةً بِأَحْكَامِ الصِّيَامِ، إِلَى خِطَابِ الرَّسُولِ - ﷺ -، بِأَنْ يُذَكِّرَهُمْ وَيُعَلِّمَهُمْ مَا يُرَاعُونَهُ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الطَّاعَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ بِالدُّعَاءِ الَّذِي يُعِدُّهُمْ لِلْهُدَى وَالرَّشَادِ، وَجُعِلَتْ بِأُسْلُوبِ الْفَتْوَى عَلَى تَقْدِيرِ السُّؤَالِ لِتَنْبِيهِ الْأَذْهَانِ، وَالْمُرَادُ أَنْ يُؤْمِنُوا
134