اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
عَلَى النَّظَرِ فِي الْأَكْوَانِ، لِلْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ وَالْأَسْرَارِ الَّتِي يَرْتَقِي بِهَا الْعَقْلُ وَتَتَّسِعُ بِهَا أَبْوَابُ الْمَنَافِعِ لِلْإِنْسَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا امْتَازَ بِهِ الْقُرْآنُ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّهُ تَكْمِيلٌ لِأُصُولِ الدِّينِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا كُلُّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ لِجَعْلِ بِنَائِهِ رَصِينًا مُنَاسِبًا لِارْتِقَاءِ الْإِنْسَانِ. وَأَمَّا تِلْكَ الْأُصُولُ وَهِيَ: الْإِيمَانُ الصَّحِيحُ، وَعِبَادَةُ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ مَعَ النَّاسِ، فَهِيَ الَّتِي لَا خِلَافَ فِيهَا.
وَأَمَّا وَصْفُهُ تَعَالَى الَّذِينَ أُنْعِمَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فَالْمُخْتَارُ فِيهِ أَنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ هُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِهِ، وَالَّذِينَ بَلَغَهُمْ شَرْعُ اللهِ وَدِينُهُ فَرَفَضُوهُ وَلَمْ يَتَقَبَّلُوهُ، انْصِرَافًا عَنِ الدَّلِيلِ، وَرِضَاءً بِمَا وَرِثُوهُ مِنَ الْقِيلِ، وَوُقُوفًا عِنْدَ التَّقْلِيدِ، وَعُكُوفًا عَلَى هَوًى غَيْرِ رَشِيدٍ، وَغَضَبُ اللهِ يُفَسِّرُونَهُ بِلَازِمِهِ: وَهُوَ الْعِقَابُ، وَوَافَقَهُمُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ، وَالَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ شَأْنٌ مِنْ شُئُونِهِ تَعَالَى يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عُقُوبَتُهُ وَانْتِقَامُهُ، وَإِنَّ الضَّالِّينَ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا الْحَقَّ أَلْبَتَّةَ، أَوْ لَمْ يَعْرِفُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ الْعَمَلُ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ. وَقَرَنَ الْمَعْطُوفَ فِي قَوْلِهِ " (وَلَا الضَّالِّينَ " بِلَا لِمَا فِي " غَيْرِ " مِنْ مَعْنَى النَّفْيِ، أَيْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ، فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ. وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّوَائِفَ ثَلَاثٌ: الْمُنْعَمُ عَلَيْهِمْ، وَالْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ، وَالضَّالُّونَ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ ضَالُّونَ
أَيْضًا لِأَنَّهُمْ بِنَبْذِهِمُ الْحَقُّ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ قَدِ اسْتَدْبَرُوا الْغَايَةَ وَاسْتَقْبَلُوا غَيْرَ وِجْهَتِهَا، فَلَا يَصِلُونَ مِنْهَا إِلَى الْمَطْلُوبِ، وَلَا يَهْتَدُونَ فِيهَا إِلَى مَرْغُوبٍ، وَلَكِنَّ فَرْقًا بَيْنَ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ فَأَعْرَضَ عَنْهُ عَلَى عِلْمٍ، وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْحَقُّ فَهُوَ تَائِهٌ بَيْنَ الطُّرُقِ، لَا يَهْتَدِي إِلَى الْجَادَّةِ الْمُوَصِّلَةِ مِنْهَا، وَهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الرِّسَالَةُ، أَوْ بَلَغَتْهُمْ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ فِيهِ الْحَقُّ. فَهَؤُلَاءِ هُمْ أَحَقُّ بِاسْمِ الضَّالِّينَ، فَإِنَّ الضَّالَّ حَقِيقَةً: هُوَ التَّائِهُ الْوَاقِعُ فِي عَمَايَةٍ لَا يَهْتَدِي مَعَهَا إِلَى الْمَطْلُوبِ، وَالْعَمَايَةُ فِي الدِّينِ: هِيَ الشُّبَهَاتُ الَّتِي تَلْبِسُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتُشَبِّهُ الصَّوَابَ بِالْخَطَأِ.
الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الضَّالُّونَ عَلَى أَقْسَامٍ: -
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ إِلَى الرِّسَالَةِ، أَوْ بَلَغَتْهُمْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسُوقُ إِلَى النَّظَرِ. فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَتَوَفَّرْ لَهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِدَايَةِ سِوَى مَا يَحْصُلُ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ، وَحُرِمُوا رُشْدَ الدِّينِ، فَإِنْ لَمْ يَضِلُّوا فِي شُئُونِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ ضَلُّوا لَا مَحَالَةَ فِيمَا تُطْلَبُ بِهِ نَجَاةُ الْأَرْوَاحِ وَسَعَادَتُهَا فِي الْحَيَاةِ الْأُخْرَى. عَلَى أَنَّ مِنْ شَأْنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ أَنْ يُفِيضَ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ رُوحِ الْحَيَاةِ مَا بِهِ يَسْعَدُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعًا، فَمَنْ حُرِمَ الدِّينَ حُرِمَ السَّعَادَتَيْنِ، وَظَهَرَ أَثَرُ التَّخَبُّطِ وَالِاضْطِرَابِ فِي أَعْمَالِهِ الْمَعَاشِيَّةِ، وَحَلَّ بِهِ مِنَ الرَّزَايَا مَا يَتْبَعُ الضَّلَالَ وَالْخَبْطَ عَادَةً، سُنَّةُ اللهِ فِي هَذَا الْعَالَمِ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِهِ تَبْدِيلًا. أَمَّا أَمْرُهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَعَلَى أَنَّهُمْ لَنْ يُسَاوُوا الْمُهْتَدِينَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَقَدْ يَعْفُو اللهُ عَنْهُمْ وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ.
57
المجلد
العرض
10%
الصفحة
57
(تسللي: 56)