اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
وَذِكْرُهُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِاللَّامِ غَيْرُ لَائِقٍ - إِنْ لَمْ نَقُلْ فِي انْتِقَادِهِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ - وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ عَنِ اللِّيَاقَةِ وَالْأَدَبِ مَعَ الرَّبِّ ﵎ طَلَبُ كَوْنِ مَشِيئَتِهِ عَلَى الْأَرْضِ كَمَشِيئَتِهِ فِي السَّمَاءِ. وَكَوْنُهَا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِاللَّامِ أَيْضًا، فَمَشِيئَتُهُ تَعَالَى نَافِذَةٌ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ مِنْ سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ بِالضَّرُورَةِ، فَلَا مَعْنَى لِطَلَبِهَا، وَطَلَبِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فِيهَا إِنْ أُرِيدَ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَهُوَ تَحَكُّمٌ لَا يَخْفَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا طَلَبُ الْخُبْزِ الْكَفَافِ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ فَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ كُلَّ هَمِّهِمْ وَكُلَّ مَطْلَبِهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ وَلَوْ لِدُنْيَاهُمْ هُوَ الْخَبْزُ الَّذِي يَكْفِيهِمْ، فَأَيْنَ هَذَا الْمَطْلَبُ مَنْ طَلَبِ الْهِدَايَةِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُوَصِّلِ إِلَى سَعَادَتَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، لِكَوْنِهِ نَفْسَ صِرَاطِ خِيَارِ النَّاسِ دُونَ شِرَارِهِمْ.
وَأَمَّا مَطْلَبُ الْمَغْفِرَةِ - فَهُوَ عَلَى كَوْنِهِ يَلِيقُ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ تَعَالَى - يُنْتَقَدُ مِنْهُ تَشْبِيهُهَا بِمَغْفِرَةِ الطَّالِبِ لِلْمُذْنِبِ الْمُسِيءِ إِلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ مَغْفَرَةَ اللهِ لِعَبْدِهِ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَأَعَمُّ مِنْ مَغْفِرَةِ الْعَبْدِ لِمِثْلِهِ.
(ثَانِيهِمَا) أَنَّ الَّذِي يَغْفِرُ لِجَمِيعِ الْمُسِيئِينَ إِلَيْهِ نَادِرٌ، وَمِنَ الْمُشَاهَدِ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَجْزُونَ عَلَى السَّيِّئَةِ إِمَّا بِمِثْلِهَا، وَإِمَّا بِأَكْثَرَ مِنْهَا، فَكَيْفَ يُكَلَّفُ هَؤُلَاءِ بِمُخَاطَبَةِ رَبِّهِمْ بِالْكَذِبِ عَلَيْهِ، الَّذِي حَاصِلُهُ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ أَلَّا يَغْفِرَ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ لَا يَغْفِرُونَ لِلْمُسِيئِينَ إِلَيْهِمْ.
قَدْ يَقُولُونَ: نَعَمْ نَحْنُ نَلْتَزِمُ هَذَا؛ لِأَنَّ دِينَنَا يُوجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَغْفِرَ لِجَمِيعِ مَنْ أَذْنَبَ وَأَسَاءَ إِلَيْنَا، وَنَعْتَقِدُ أَنَّ رَبَّنَا لَا يَغْفِرُ لَنَا إِذَا لَمْ نَغْفِرْ لَهُمْ؛ لِأَنَّ مَنْ عَلَّمَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ قَالَ بَعْدَهَا: (فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَلَّاتِهِمْ يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلَّاتِهِمْ لَا يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَلَّاتِكُمْ) (مَتَّى ٦: ١٤) .
فَنَقُولُ: هَذَا التَّعْبِيرُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ مَغْفِرَةِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ لِجَمِيعِ النَّاسِ عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً، فَأَيْنَ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ وَهَلْ يُوجَدُ فِي الْأَلْفِ أَوِ الْأُلُوفِ مِنْكُمْ وَاحِدٌ كَذَلِكَ؟ أَلَسْنَا نَرَى أَكْثَرَكُمْ وَمَنْ تَعُدُّونَهُمْ أَرْقَاكُمْ وَتَفْتَخِرُونَ بِهِمْ كَالْإِفْرِنْجِ لَا يَغْفِرُونَ لِأَحَدٍ أَدْنَى زَلَّةٍ، بَلْ لَا يَكْتَفُونَ بِعِقَابِ مَنْ يُسِئُ إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ بِمِثْلِ ذَنْبِهِ، وَإِنَّمَا يُضَاعِفُونَ لَهُ الْعِقَابَ أَضْعَافًا، بَلْ يَنْتَقِمُونَ مِنْ أُمَّتِهِ كُلِّهَا إِذَا كَانَتْ ضَعِيفَةً لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَصُدَّهُمْ بِالْقُوَّةِ، فَهُمْ لَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَى السَّيِّئَةِ بِأَضْعَافِهَا مِنَ السَّيِّئَاتِ وَلَا مِنَ ابْتِدَاءِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ إِلَّا الْعَجْزُ.
69
المجلد
العرض
12%
الصفحة
69
(تسللي: 68)