اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
اخْتَلَفَ فِيهَا الْقَوْمَانِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقِبْلَةِ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي بِمَكَّةَ إِلَى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ حَيْثُ تَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي بِلَادِ الشَّامِ، وَهُوَ قِبْلَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ الَّتِي هِيَ فِي جَنُوبِهَا، وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ الَّذِي هُوَ فِي شَمَالِهَا، فَأَعْطَى اللهُ خَاتَمَ رُسُلِهِ سُؤْلَهُ بِأَمْرِهِ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ وَحْدَهَا، وَمَسْأَلَةُ الْقِبْلَةِ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ وَخَصَائِصِهَا الدِّينِيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، حَتَّى إِنَّ النَّصَارَى - وَهُمْ فِي الْأَصْلِ مَعَ رَسُولِهِمْ (عِيسَى الْمَسِيحِ - ﵇ -) مِنْ أَتْبَاعِ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ - قَدْ مَيَّزُوا أَنْفُسَهُمْ دُونَ الْيَهُودِ بِابْتِدَاعِ قِبْلَةٍ خَاصَّةٍ بِهِمْ غَيْرَ قِبْلَةِ عِيسَى رَسُولِهِمُ الَّذِي اتَّخَذُوهُ إِلَهًا لَهُمْ، وَهِيَ صَخْرَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
بَعْدَ تَأْكِيدِ أَمْرِ الْقِبْلَةِ، وَأَنَّهُ مِنْ إِتْمَامِ النِّعْمَةِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، بَيَّنَ وَظَائِفَ الرَّسُولِ - ﷺ - وَهِيَ كَمَا فِي دُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ تَبْلِيغُ الْقُرْآنِ وَتَرْبِيَةُ الْأُمَّةِ، وَتَعْلِيمُهَا الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ، وَمَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ مِنَ الْقَضَاءِ وَالسِّيَاسَةِ وَأُمُورِ الدَّوْلَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (١٥١) ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ تَعَالَى، وَبِالِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النُّهُوضِ بِمُهِمَّاتِ الْأُمُورِ، وَذَكَرَ التَّطْوَافَ وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِمُنَاسَبَةٍ اقْتَضَاهَا الْمَقَامُ، وَلَعَنَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى بَعْدَ تَبْيِينِهِ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ، وَاسْتَثْنَى مَنْ تَابَ وَأَصْلَحَ وَبَيَّنَ وَأَنَابَ، وَسَجَّلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ، وَكَوْنِهِمْ خَالِدِينَ فِي النَّارِ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْأَسَاسَ الْأَعْظَمَ لِلدِّينِ، تَوْحِيدَ الْإِلَهِيَّةِ، بِتَخْصِيصِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (١٦٣) وَقَرَنَ ذَلِكَ بِالتَّذْكِيرِ بِآيَاتِهِ الْكَثِيرَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ثُمَّ ذَكَرَ مَا يُقَابِلُ هَذَا التَّوْحِيدَ مُقَابَلَةَ التَّضَادِّ، وَهُوَ الشِّرْكُ بِاتِّخَاذِ الْأَنْدَادِ، وَالِاعْتِمَادِ فِيهِ عَلَى تَقْلِيدِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، وَشَنَّعَ عَلَى الْمُقَلِّدِينَ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ غَيْرَ اللهِ تَعَالَى مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَجَرَّدَهُمْ مِنْ حِلْيَةِ الْعَقْلِ. وَشَبَّهَهُمْ بِالصُّمِّ وَالْبُكْمِ الْعُمْيِ. وَانْتَهَى هَذَا بِالْآيَةِ (١٧١) .
ثُمَّ أَوْجَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْأَكْلَ مِنْ أَجْنَاسِ جَمِيعِ الطَّيِّبَاتِ، وَأَمَرَهُمْ بِالشُّكْرِ لَهُ عَلَيْهَا، وَحَصَرَ مُحَرَّمَاتِ الطَّعَامِ عَلَيْهِمْ فِي الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ، وَاسْتَثْنَى مَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا فِي سِيَاقِ كُلِّيَّاتِ الدِّينِ الْمُجْمَلَةِ لِإِبْطَالِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ مِنَ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فِيهَا الَّذِي هُوَ حَقُّ اللهِ تَعَالَى بِتَحْكِيمِ الْأَهْوَاءِ، وَقَفَّى عَلَى هَذَا كُلِّهِ بِوَعِيدِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ، إِيذَانًا بِوُجُوبِ الدَّعْوَةِ وَبَيَانِ الْحَقِّ عَلَى كُلِّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ، وَتَحْذِيرًا مِمَّا وَقَعَ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالشِّقَاقِ وَالتَّحْرِيفِ وَالنِّسْيَانِ لِحَظٍّ عَظِيمٍ مِمَّا أَنْزَلَهُ اللهُ.
90
المجلد
العرض
16%
الصفحة
90
(تسللي: 89)