اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

وأد الفتنة دراسة نقدية لشبهات المرجفين وفتنة الجمل وصفين على منهج المحدثين

أحمد محمود خليل الشوابكة
وأد الفتنة دراسة نقدية لشبهات المرجفين وفتنة الجمل وصفين على منهج المحدثين - أحمد محمود خليل الشوابكة
اعتقاد كلّ منهما أنّه على الحقّ، فإنّ هذا يَنْشَأُ عنه عذرهما، فكلّ منهما معذور بتأويله لأنّه متأوّل تأويلًا سائغًا عن وجه في العلم معتقدًا أنّه على الحقّ، فلا أحد منهما آثم، بل كلاهما مأجور؛ فلم يقع بينهما ما وقع إلاّ عن اجتهاد، ولذلك أخبر - ﷺ - أنّ دعواهما واحدة ليظهرَ عذْرُهما، فلم يكن أحدهما يقاتل الآخر وهو يظنُّ أنَّ الحقَّ ليس بيده، ولو كان ذلك كذلك ما شهد لهما - ﷺ - أنّ دعواهما واحدة، وهذا ينتجُ عنه عذرهما ووجوب حسن الظّن بهما.
ويؤيّد هذا ما أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدريّ عن النَّبيِّ - ﷺ - " في حديث ذكر فيه قوما يخرجون على فُرْقة مختلفة يقتلهم أقرب الطّائفتين من الحقّ" (^١).
قُلْتُ: وانظر إلى اسم التّفضيل " أقرب " وما يوحي إليه هذا اللفظ، فاسم التّفضيل يدلّك على أنّ المفضَّل والمفضَّل عليه اشتركا في صفة واحدة، وهي القرب من الحقّ، ولكن أحدهما زاد فيها على الآخر فكان الأقرب إليه، وهو عليّ وأصحابه لأنّهم قاتلوهم وأمكنهم الله منهم، فالحديث فيه تصريح بأنّ الطّائفتين تشتركان في صفة الحقّ وأنّ الطّائفتين مؤمنون لا يخرجون بما جرى بينهم عن الإيمان، بل يبقون على كمال إيمانهم وعدالتهم.
فإن قال قائل: فقد حَكَمَ عليهم النَّبيُّ - ﷺ - بالبغي، وأخبر أنّ عمارًا يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النّار؟!
فالجواب أنّ البغي ليس اسمَ ذَمٍّ وقدح وتنقيص لهم؛ لأنّ الباغي المجتهد المتأوّل تأويلًا سائغًا غير قطعيّ البطلان معذور في اجتهاده ومأجور. ولا ريب في أنَّ الحديث حجَّة جازمة في أنَّ عليًا ﵁ كان مصيبًا، لكنّ الفئة الأخرى مجتهدة فلا إثم عليها، والحديث فيه معجزة للنّبيِّ - ﷺ - لوقوع ما أخبر به - ﷺ -.
وقول النَّبيِّ - ﷺ - لعمار بن ياسر ﵁ " تقتلك فئة باغية" (^٢) لا يفهم منه أنّ فئة معاوية تتحمّل دمه؛ فما جاء مطلقا في هذا الحديث الشّريف، جاء مقيّدًا في حديث آخر ـ
_________
(^١) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي " (م ٤/ج ٧/ص ١٦٨) كتاب الزّكاة.
(^٢) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ٩/ج ١٨/ص ٤٠) كتاب الفتن.
258
المجلد
العرض
82%
الصفحة
258
(تسللي: 257)