اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين

محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي
موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين - محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي
وَكَيْفَ رَوَّجْتُ عَلَيْهِ الزَّائِفَ وَكَيْفَ خَدَعْتُهُ؟ فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا تَكْبُرُ بِهِ الصَّغَائِرُ، فَإِنَّ الذُّنُوبَ مُهْلِكَاتٌ.
وَمِنْهَا أَنْ يَتَهَاوَنَ بِسِتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَحِلْمِهِ عَنْهُ وَإِمْهَالِهِ إِيَّاهُ، وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ إِنَّمَا يُمْهِلُ مَقْتًا لِيَزْدَادَ بِالْإِمْهَالِ إِثْمًا، فَيَظُنَّ أَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنَ الْمَعَاصِي عِنَايَةٌ مِنَ اللَّهِ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَمْنِهِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَجَهْلِهِ بِمَكَامِنِ الْغُرُورِ بِاللَّهِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَأْتِيَ الذَّنْبَ وَيُظْهِرَهُ بِأَنْ يَذْكُرَهُ بَعْدَ إِتْيَانِهِ أَوْ يَأْتِيَهُ فِي مَشْهَدِ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ جِنَايَةٌ مِنْهُ عَلَى سِتْرِ اللَّهِ الَّذِي سَدَلَهُ عَلَيْهِ وَتَحْرِيكٌ لِرَغْبَةِ الشَّرِّ فِيمَنْ أَسْمَعَهُ ذَنْبَهُ أَوْ أَشْهَدَهُ فِعْلَهُ، فَهُمَا جِنَايَتَانِ انْضَمَّتَا إِلَى جِنَايَةٍ فَتَغَلَّظَتْ بِهِمَا، فَإِنِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ تَرْغِيبُ الْغَيْرِ فِيهِ صَارَتْ جِنَايَةً رَابِعَةً وَتَفَاحَشَ الْأَمْرُ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمُذْنِبُ عَالِمًا يُقْتَدَى بِهِ، فَإِذَا فَعَلَهُ بِحَيْثُ يُرَى ذَلِكَ مِنْهُ كَبُرَ ذَنْبُهُ، وَفِي الْخَبَرِ: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يُنْقِصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا» وَكَمَا يَتَضَاعَفُ وِزْرُ الْعَالِمِ عَلَى الذَّنْبِ فَكَذَلِكَ يَتَضَاعَفُ ثَوَابُهُ عَلَى الْحَسَنَاتِ إِذَا اتُّبِعُوا. فَحَرَكَاتُ الْمُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ فِي طَوْرَيِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ تَتَضَاعَفُ آثَارُهَا إِمَّا بِالرِّبْحِ وَإِمَّا بِالْخُسْرَانِ.

تَمَامُ التَّوْبَةِ وَشُرُوطُهَا وَدَوَامُهَا
ذَكَرْنَا أَنَّ التَّوْبَةَ عِبَارَةٌ عَنْ نَدَمٍ يُورِثُ عَزْمًا وَقَصْدًا، فَالنَّدَمُ هُوَ تَوَجُّعُ الْقَلْبِ عِنْدَ شُعُورِهِ بِفَوَاتِ الْمَحْبُوبِ، وَعَلَامَتُهُ طُولُ الْحَسْرَةِ وَالْحُزْنِ وَإِسْكَابُ الدَّمْعِ، وَالْفِكْرُ، فَمَنِ اسْتَشْعَرَ عُقُوبَةً نَازِلَةً بِوَلَدِهِ طَالَ عَلَيْهِ مُصِيبَتُهُ وَبُكَاؤُهُ، وَأَيُّ عَزِيزٍ أَعَزُّ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ؟ وَأَيُّ عُقُوبَةٍ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ؟ وَأَيُّ سَبَبٍ أَدَلُّ عَلَى نُزُولِ الْعُقُوبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي؟ وَأَيُّ مُخْبِرٍ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ وَلَوْ حَدَّثَهُ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ يَتَطَبَّبُ أَنَّ مَرَضَ وَلَدِهِ لَا يَبْرَأُ وَأَنَّهُ سَيَمُوتُ مِنْهُ لَطَالَ فِي الْحَالِ حُزْنُهُ، فَلَيْسَ وَلَدُهُ بِأَعَزَّ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَا الطَّبِيبُ بِأَعْلَمَ وَلَا أَصْدَقَ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا الْمَوْتُ بِأَشَدَّ مِنَ النَّارِ، وَلَا الْمَرَضُ بِأَدَلَّ عَلَى الْمَوْتِ مِنَ الْمَعَاصِي عَلَى سُخْطِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالتَّعَرُّضِ بِهَا إِلَى النَّارِ. فَأَلَمُ النَّدَمِ كُلَّمَا كَانَ أَشَدَّ كَانَ تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ بِهِ أَرْجَى، فَعَلَامَةُ صِحَّةِ النَّدَمِ رِقَّةُ الْقَلْبِ وَغَزَارَةُ الدَّمْعِ، وَمِنْ عَلَامَتِهِ أَنْ تَتَمَكَّنَ مَرَارَةُ تِلْكَ الذُّنُوبِ فِي قَلْبِهِ بَدَلًا مِنْ حَلَاوَتِهَا، فَيَسْتَبْدِلُ بِالْمَيْلِ كَرَاهِيَةً وَبِالرَّغْبَةِ نَفْرَةً كَمَنْ يَنْفِرُ عَنْ عَسَلٍ فِيهِ سُمٌّ وَلَوْ كَانَ فِي غَايَةِ الْجُوعِ وَالشَّهْوَةِ لِلْحَلَاوَةِ، فَوِجْدَانُ التَّائِبِ مَرَارَةَ الذَّنْبِ كَذَلِكَ يَكُونُ، وَذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فَذَوْقُهُ ذَوْقُ الْعَسَلِ وَعَمَلُهُ عَمَلُ السُّمِّ، وَلَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ وَلَا تَصْدُقُ إِلَّا بِمِثْلِ هَذَا الْإِيمَانِ؛ وَلَمَّا عَزَّ مِثْلُ هَذَا الْإِيمَانِ عَزَّتِ التَّوْبَةُ وَالتَّائِبُونَ، فَلَا تَرَى إِلَّا مُعْرِضًا عَنِ اللَّهِ - تَعَالَى - مُتَهَاوِنًا بِالذُّنُوبِ مُصِرًّا عَلَيْهَا. فَهَذَا شَرْطُ تَمَامِ النَّدَمِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَدُومَ إِلَى الْمَوْتِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِدَ هَذِهِ الْمَرَارَةَ فِي جَمِيعِ الذُّنُوبِ.
وَأَمَّا الْقَصْدُ الَّذِي يَنْبَعِثُ مِنْهُ وَهُوَ إِرَادَةُ التَّدَارُكِ فَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالْحَالِ وَهُوَ يُوجِبُ تَرْكَ مَحْظُورٍ هُوَ مُلَابِسٌ لَهُ، وَأَدَاءَ كُلِّ فَرْضٍ هُوَ مُتَوَجِّهٌ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَاضِي وَهُوَ تَدَارُكُ مَا
275
المجلد
العرض
84%
الصفحة
275
(تسللي: 272)