اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين

محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي
موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين - محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي
فِي جَلَالِ اللَّهِ وَجَمَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ فِي عَجَائِبِ حِكْمَتِهِ وَبَدَائِعِ صُنْعِهِ، وَإِذَا أَرَادَ حَالَ الْخَوْفِ فَلْيَنْظُرْ أَوَّلًا فِي ذُنُوبِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، ثُمَّ لْيَنْظُرْ فِي الْمَوْتِ وَسَكَرَاتِهِ، ثُمَّ فِيمَا بَعْدَهُ مِنْ سُؤَالِ الْقَبْرِ وَحَيَّاتِهِ وَعَقَارِبِهِ وَدِيدَانِهِ، ثُمَّ فِي هَوْلِ النِّدَاءِ عِنْدَ نَفْخَةِ الصُّورِ [الزُّمَرِ: ٦٨] ثُمَّ فِي هَوْلِ الْمَحْشَرِ عِنْدَ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ عَلَى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ فِي الْمُنَاقَشَةِ فِي الْحِسَابِ وَالْمُضَايَقَةِ فِي النَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرِ، ثُمَّ لْيُحْضِرْ فِي قَلْبِهِ صُورَةَ جَهَنَّمَ وَأَهْوَالِهَا وَسَلَاسِلِهَا وَأَغْلَالِهَا [يس: ٨ وَالْإِنْسَانِ: ٤] وَزَقُّومِهَا [الْوَاقِعَةِ: ٥٢] وَصَدِيدِهَا وَأَنْوَاعِ الْعَذَابِ فِيهَا، وَأَنَّهُمْ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بُدِّلُوا جُلُودًا غَيْرَهَا [النِّسَاءِ: ٥٦] وَأَنَّهُمْ إِذَا رَأَوْهَا مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الْفَرْقَانِ: ١٢]، وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى جَمِيعِ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ شَرْحِهَا. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَجْلِبَ حَالَ الرَّجَاءِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا وَأَشْجَارِهَا وَحُورِهَا وَوِلْدَانِهَا [الْوَاقِعَةِ: ١٧] وَنَعِيمِهَا الْمُقِيمِ وَمُلْكِهَا الدَّائِمِ. فَهَكَذَا طَرِيقُ الْفِكْرِ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ الْعُلُومُ الَّتِي تُثْمِرُ اجْتِلَابَ أَحْوَالِ مَحْبُوبَةٍ أَوِ التَّنَزُّهِ عَنْ صِفَاتٍ مَذْمُومَةٍ.
وَأَمَّا ذِكْرُ مَجَامِعِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ أَنْفَعُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالتَّفَكُّرِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ جَامِعٌ لِجَمِيعِ الْمَقَامَاتِ وَالْأَحْوَالِ، وَفِيهِ شِفَاءٌ لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ مَا يُورِثُ الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ وَالصَّبْرَ وَالشُّكْرَ وَالْمَحَبَّةَ وَالشَّوْقَ وَسَائِرَ الْأَحْوَالِ، وَفِيهِ مَا يَزْجُرُ عَنْ سَائِرِ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَهُ الْعَبْدُ وَيُرَدِّدَ الْآيَةَ الَّتِي هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى التَّفَكُّرِ فِيهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَلَوْ مِائَةَ مَرَّةٍ، فَقِرَاءَةُ آيَةٍ بِتَفَكُّرٍ وَفَهْمٍ خَيْرٌ مِنْ خَتْمَةٍ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ وَفَهْمٍ، فَلْيَتَوَقَّفْ فِي التَّأَمُّلِ فِيهَا وَلَوْ لَيْلَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْهَا أَسْرَارًا لَا تَنْحَصِرُ وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهَا إِلَّا بِدَقِيقِ الْفِكْرِ عَنْ صَفَاءِ الْقَلْبِ بَعْدَ صِدْقِ الْمُعَامَلَةِ.
وَكَذَلِكَ مُطَالَعَةُ أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَكُلُّ كَلِمَةٍ مِنْ كَلِمَاتِهِ بَحْرٌ مِنْ بُحُورِ الْحِكْمَةِ، وَلَوْ تَأَمَّلَهَا الْعَالِمُ حَقَّ التَّأَمُّلِ لَمْ يَنْقَطِعْ فِيهَا نَظَرُهُ طُولَ عُمُرِهِ.

بَيَانُ كَيْفِيَّةِ التَّفَكُّرِ فِي خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى
اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْوُجُودِ مِمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ فِعْلُ اللَّهِ وَخَلْقُهُ، وَكُلَّ ذَرَّةٍ مِنَ الذَّرَّاتِ فَفِيهَا عَجَائِبُ وَغَرَائِبُ تَظْهَرُ بِهَا حِكْمَةُ اللَّهِ وَقُدْرَتُهُ وَجَلَالُهُ وَعَظَمَتُهُ، وَإِحْصَاءُ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَلْنَذْكُرْ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ مَا يُدْرَكُ بِحِسِّ الْبَصَرِ فَإِنَّهُ الْأَقْرَبُ إِلَى الْأَفْهَامِ، وَذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي حَثَّ عَلَى التَّفَكُّرِ فِيهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ.

آيَةُ الْإِنْسَانِ
مِنْ آيَاتِهِ تَعَالَى الْإِنْسَانُ الْمَخْلُوقُ مِنَ النُّطْفَةِ، وَأَقْرَبُ شَيْءٍ إِلَيْكَ نَفْسُكَ، وَفِيكَ مِنَ الْعَجَائِبِ الدَّالَّةِ عَلَى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَا تَنْقَضِي الْأَعْمَارُ فِي الْوُقُوفِ عَلَى عُشْرِ عُشَيْرِهِ وَأَنْتَ غَافِلٌ عَنْهُ، فَيَا مَنْ هُوَ غَافِلٌ عَنْ نَفْسِهِ وَجَاهِلٌ بِهَا كَيْفَ تَطْمَعُ فِي مَعْرِفَةِ غَيْرِكَ وَقَدْ أَمَرَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّدَبُّرِ فِي نَفْسِكَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الذَّارِيَاتِ: ٢١] وَذَكَرَ
312
المجلد
العرض
95%
الصفحة
312
(تسللي: 309)