اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين

محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي
موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين - محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي
حُسْنُ الْوَعْدِ مِنَ اللَّهِ إِذْ قَالَ - تَعَالَى -: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) [النَّجْمِ: ٣٢] فَكُلُّ إِلْمَامٍ يَقَعُ بِصَغِيرَةٍ لَا عَنْ تَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَكُونَ مِنَ اللَّمَمِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ، قَالَ - تَعَالَى -: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٥] فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ مَعَ ظُلْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ لِتَنَدُّمِهِمْ وَلَوْمِهِمْ أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِ، وَفِي الْخَبَرِ: «لَا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ ذَنْبٍ يَأْتِيهِ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ» أَيْ بَعْدَ الْحِينِ، وَفِي الْخَبَرِ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاؤُونَ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» فَكُلُّ ذَلِكَ أَدِلَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يُنْقِصُ التَّوْبَةَ وَلَا يُلْحِقُ صَاحِبَهَا بِدَرَجَةِ الْمُصِرِّينَ.
الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتُوبَ وَيَسْتَمِرَّ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ مُدَّةً ثُمَّ تَغْلِبُهُ الشَّهْوَةُ فِي بَعْضِ الذُّنُوبِ فَيُقْدِمُ عَلَيْهَا عَنْ قَصْدٍ لِعَجْزِهِ عَنْ قَهْرِ الشَّهْوَةِ، إِلَّا أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُوَاظِبٌ عَلَى الطَّاعَاتِ وَتَارِكٌ جُمْلَةً مِنَ الذُّنُوبِ وَهُوَ يَوَدُّ لَوْ كُفِيَ شَرَّهَا فِي حَالِ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ، وَعِنْدَ الْفَرَاغِ يَتَنَدَّمُ وَيَقُولُ: «لَيْتَنِي لَمْ أَفْعَلْهُ، وَسَأَتُوبُ عَنْهُ وَأُجَاهِدُ نَفْسِي فِي قَهْرِهَا»، لَكِنَّهُ يُسَوِّلُ نَفْسَهُ وَيُسَوِّفُ تَوْبَتَهُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، فَهَذِهِ النَّفْسُ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى (النَّفْسُ الْمُسَوِّلَةُ) وَصَاحِبُهَا مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهِمْ: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا) [التَّوْبَةِ: ١٠٢] فَأَمْرُهُ مِنْ حَيْثُ مُوَاظَبَتِهُ عَلَى الطَّاعَاتِ وَكَرَاهَتُهُ لِمَا تَعَاطَاهُ مَرْجُوٌّ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ، وَعَاقِبَتُهُ مَخَطَّرَةٌ مِنْ حَيْثُ تَسْوِيفُهُ وَتَأْخِيرُهُ، فَرُبَّمَا يُخْتَطَفُ قَبْلَ التَّوْبَةِ وَيَقَعُ أَمْرُهُ فِي الْمَشِيئَةِ، إِنْ تَدَارَكَهُ اللَّهُ بِفَضْلِهِ أَلْحَقَهُ بِالسَّابِقِينَ وَإِلَّا فَيُخْشَى عَلَيْهِ.
الطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَتُوبَ وَيَجْرِيَ مُدَّةً عَلَى الِاسْتِقَامَةِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مُقَارَفَةِ الذَّنْبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِالتَّوْبَةِ، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَأَسَّفَ عَلَى فِعْلِهِ، بَلْ يَنْهَمِكُ انْهِمَاكَ الْغَافِلِ فِي اتِّبَاعِ شَهَوَاتِهِ، فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُصِرِّينَ، وَهَذِهِ النَّفْسُ هِيَ (النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ الْفَرَّارَةُ مِنَ الْخَيْرِ)، وَيُخَافُ عَلَى هَذَا سُوءُ الْخَاتِمَةِ، وَانْتِظَارُهُ مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - غُرُورٌ، فَإِنَّ الْمُقَصِّرَ عَنِ الطَّاعَةِ الْمُصِرَّ عَلَى الذُّنُوبِ الْغَيْرَ السَّالِكِ سَبِيلَ الْمَغْفِرَةِ الْمُنْتَظِرَ لِلْغُفْرَانِ، يُعَدُّ عِنْدَ أَرْبَابِ الْقُلُوبِ مِنَ الْمَعْتُوهِينَ كَمَا أَنَّ مَنْ خَرَّبَ بَيْتَهُ وَضَيَّعَ مَالَهُ وَتَرَكَ نَفْسَهُ وَعِيَالَهُ جِيَاعًا يَزْعُمُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ فَضْلَ اللَّهِ بِأَنْ يَرْزُقَهُ كَنْزًا يَجِدُهُ تَحْتَ الْأَرْضِ فِي بَيْتِهِ الْخَرِبِ - يُعَدُّ عِنْدَ ذَوِي الْبَصَائِرِ مِنَ الْحَمْقَى الْمَغْرُورِينَ، فَطَلَبُ الْمَغْفِرَةِ بِالطَّاعَاتِ كَطَلَبِ الْعِلْمِ بِالْجُهْدِ وَالتَّكْرَارِ وَطَلَبِ الْمَالِ بِالتِّجَارَةِ. وَالْعَجَبُ مِنْ عَقْلِ هَذَا الْمَعْتُوهِ وَتَرْوِيجِهِ حَمَاقَتَهُ إِذْ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ كِرِيمٌ وَجَنَّتُهُ لَيْسَتْ تَضِيقُ عَلَى مِثْلِي، وَمَعْصِيَتِي لَيْسَتْ تَضُرُّهُ» ثُمَّ تَرَاهُ يَرْكَبُ الْبِحَارَ وَيَقْتَحِمُ الْأَوْعَارَ فِي طَلَبِ الدِّينَارِ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ: «إِنَّ اللَّهَ كِرِيمٌ وَدَنَانِيرُ خِزَانَتِهِ لَيْسَتْ تَقْصُرُ عَلَى فَقْرِكَ، وَكَسَلُكَ بِتَرْكِ التِّجَارَةِ لَيْسَ يَضُرُّكَ، فَاجْلِسْ فِي بَيْتِكَ فَعَسَاهُ يَرْزُقُكَ مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُ» فَيَسْتَحْمِقُ قَائِلَ هَذَا الْكَلَامَ وَيَسْتَهْزِئُ بِهِ وَيَقُولُ: «مَا هَذَا الْهَوَسُ؟ السَّمَاءُ لَا تُمْطِرُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً، وَإِنَّمَا يُنَالُ ذَلِكَ
277
المجلد
العرض
84%
الصفحة
277
(تسللي: 274)