اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
الْمُسْلِمِينَ وَالْقُرْآنِ إِذْ يَصْرِفُونَ كُلَّ وَعِيدٍ فِيهِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَيَنْصَرِفُونَ عَنِ الِاعْتِبَارِ الْمَقْصُودِ ; لِهَذَا تَرَى الْمُسْلِمِينَ لَا يَتَّعِظُونَ بِالْقُرْآنِ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّ كَلِمَةَ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» يَتَحَرَّكُ بِهَا اللِّسَانُ مِنْ غَيْرِ قِيَامٍ بِحُقُوقِهَا كَافِيَةٌ لِلنَّجَاةِ فِي الْآخِرَةِ، عَلَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْكَافِرِينَ يَقُولُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَهُزُّ جَسَدَهُ عِنْدَ ذِكْرِ اللهِ كَمَا يَهُزُّهُ جَمَاهِيرُهُمْ، فَهَلْ هَذَا كُلُّ مَا أَرَادَهُ اللهُ مِنْ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ وَبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ - ﵊ -؟
لَيْسَ هَذَا الَّذِي يَتَوَهَّمُهُ الْجَاهِلُونَ مِنْ مُرَادِ الْمُفَسِّرِينَ، فَمَا بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى ضُرُوبَ الشِّرْكِ وَصِفَاتِ الْكَافِرِينَ وَأَحْوَالَهُمْ إِلَّا عِبْرَةً لِمَنْ يُؤْمِنُ بِكِتَابِهِ حَتَّى لَا يَقَعَ فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ فَيَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ، وَلَكِنَّ رُؤَسَاءَ التَّقْلِيدِ حَالُوا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ كِتَابِ رَبِّهِمْ ; بِزَعْمِهِمْ أَنَّ الْمُسْتَعِدِّينَ لِلِاهْتِدَاءِ بِهِ قَدِ انْقَرَضُوا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْلِفَهُمُ الزَّمَانُ لِمَا يُشْتَرَطُ فِيهِمْ مِنَ الصِّفَاتِ وَالنُّعُوتِ الَّتِي لَا تَتَيَسَّرُ لِغَيْرِهِمْ، كَمَعْرِفَةِ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْفُنُونِ الصِّنَاعِيَّةِ وَالْإِحَاطَةِ بِخِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَحْكَامِ، وَالَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ وَاقِفٍ عَلَى تَارِيخِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ هُوَ أَنَّ أَهْلَ الْقَرْنَيْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي لَمْ يَكُونُوا يُقَلِّدُونَ أَحَدًا ; أَيْ: لَمْ يَكُونُوا يَأْخُذُونَ بِآرَاءِ النَّاسِ وَأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ، بَلْ كَانَ الْعَامِّيُّ مِنْهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ دِينِهِ يَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ كُلُّ مَسْأَلَةٍ يَعْمَلُ بِهَا مِنْ مَسَائِلِهِ ; إِذْ كَانَ عُلَمَاءُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ يُلَقِّنُونَ النَّاسَ الدِّينَ بِبَيَانِ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - ﷺ - وَكَانَ الْجَاهِلُ بِالشَّيْءِ يَسْأَلُ عَنْ حُكْمِ اللهِ فِيهِ فَيُجَابُ
بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ كَذَا أَوْ جَرَتْ سُنَّةُ نَبِيِّهِ عَلَى كَذَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمَسْئُولِ فِيهِ هَدْيٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ ذَكَرَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الصَّالِحُونَ وَمَا يَرَاهُ أَشْبَهَ بِمَا جَاءَ فِي هَذَا الْهَدْيِ أَوْ أَحَالَ عَلَى غَيْرِهِ.
وَلَمَّا تَصَدَّى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ لِاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَاسْتِخْرَاجِ الْفُرُوعِ مِنْ أُصُولِهَا - وَمِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ - كَانُوا يَذْكُرُونَ الْحُكْمَ بِدَلِيلِهِ عَلَى هَذَا النَّمَطِ، فَهُمْ مُتَّفِقُونَ مَعَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ - عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ أَحَدٍ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَعْرِفْ دَلِيلَهُ وَيَقْتَنِعْ بِهِ. ثُمَّ جَاءَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُقَلِّدِينَ فِي الْقُرُونِ الْوُسْطَى مَنْ جَعَلَ قَوْلَ الْمُفْتِي لِلْعَامِّيِّ بِمَنْزِلَةِ الدَّلِيلِ مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ لَوْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ فَعَمِلَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى. ثُمَّ خَلَفَ خَلْفٌ أَعْرَقُ مِنْهُمْ فِي التَّقْلِيدِ فَمَنَعُوا كُلَّ النَّاسِ أَخْذَ أَيِّ حُكْمٍ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، وَعَدُّوا مَنْ يُحَاوِلُ فَهْمَهُمَا وَالْعَمَلَ بِهِمَا زَائِغًا. وَهَذَا غَايَةُ الْخِذْلَانِ وَعَدَاوَةِ الدِّينِ، وَقَدْ تَبِعَهُمُ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَكَانُوا لَهُمْ أَنْدَادًا مِنْ دُونِ اللهِ، وَسَيَتَبَرَّأُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا أَخْبَرَ اللهُ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الدَّرْسِ: إِنَّهُ نُقِلَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ﵃ النَّهْيُ عَنِ الْأَخْذِ بِقَوْلِهِمْ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِمْ، وَالْأَمْرُ بِتَرْكِ أَقْوَالِهِمْ لِكِتَابِ اللهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ إِذَا
66
المجلد
العرض
83%
الصفحة
66
(تسللي: 467)