اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
بِاسْمِ الدِّينِ، بِمَا تُعَلِّمُهُمْ هَذِهِ الْكُتُبُ مِنَ الْحِيَلِ الَّتِي تُمْنَعُ بِهَا الْحُقُوقُ الثَّابِتَةُ، وَآكَدُهَا الزَّكَاةُ الَّتِي ذَكَرَ الْكِتَابُ مَصَارِفَهَا الثَّمَانِيَةَ، وَقَضَى بِأَنْ تَبْقَى بِبَقَائِهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا، وَيُسَمُّونَهَا حِيَلًا شَرْعِيَّةً، وَمَا نِسْبَتُهَا إِلَى الشَّرْعِ إِلَّا كَنِسْبَةِ مِنْجَلِ الْحَاصِدِ إِلَى الزَّرْعِ، أَوِ الْعَاصِفَةِ فِي الْقَلْعِ.
فَمَانِعُ الزَّكَاةِ يَهْدِمُ فِي الظَّاهِرِ رُكْنًا مِنْ أَعْظَمِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَيَنْقُضُ فِي الْبَاطِنِ مِنْ تَحْتِهِ أَسَاسَ الْإِيمَانِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَالُ عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي إِبْطَالِ فَرِيضَتِهِ، وَإِزَالَةِ حِكْمَتِهِ، فَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِ، وَلَمْ يُذْعِنْ لِأَمْرِهِ، بَلْ فَسُقَ عَنْ أَمْرِ مَوْلَاهُ، وَاتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، وَتَجَرَّأَ عَلَى تَبْدِيلِ كَلِمَاتِ اللهِ، فَنَسَخَ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةَ مِنْ كِتَابِهِ الْآمِرَةَ بِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ عَلَى أَنَّهَا آيَةُ الْإِيمَانِ وَصَلَاحِ الْعُمْرَانِ، ثُمَّ هُوَ يُسَمِّي هَذَا الْحِنْثَ الْعَظِيمَ، وَالْجُرْمَ الْكَبِيرَ حُكْمًا مَشْرُوعًا، وَدِينًا مَتْبُوعًا وَوَاللهِ إِنَّ نِسْبَةَ هَذَا السَّفَهِ إِلَى الشَّرْعِ لَأَدَلُّ عَلَى الْكُفْرِ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْعِ، إِذْ لَا يُعْقَلُ أَنْ يَشْرَعَ اللهُ لَنَا شَيْئًا وَيُؤَكِّدَهُ عَلَيْنَا سَبْعِينَ مَرَّةً ثُمَّ يَرْضَى بِأَنْ نَحْتَالَ عَلَيْهِ وَنُخَادِعَهُ فِي تَرْكِهِ، وَنَزْعُمَ أَنَّهُ - تَقَدَّسَ وَتَعَالَى - أَذِنَ لَنَا بِهَذِهِ الْمُخَادَعَةِ وَالْمُخَاتَلَةِ! إِذَنْ لِمَاذَا فَرَضَ وَأَوْجَبَ، وَرَغَّبَ وَرَهَّبَ، وَوَعَدَ وَأَوْعَدَ، وَحَكَمَ وَأَحْكَمَ؟ هَلْ كَانَ ذَلِكَ لَغْوًا مِنَ الْكَلَامِ، وَجَهْلًا بِحِكْمَةِ وَضْعِ الْأَحْكَامِ؟ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْحِيَلَ الشَّيْطَانِيَّةَ لَمْ يَجِدْ لَهَا وَاضِعُوهَا شُبْهَةً مِنْ تَحْرِيفِ كِتَابِ اللهِ وَتَأْوِيلِ آيَاتِهِ كَمَا هِيَ طَرِيقَتُهُمْ فِي اتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَأْيِيدِ آرَائِهِمْ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ
يَذْكُرْ فِي كِتَابِهِ الْحَوْلَ وَالنِّصَابَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَا هُوَ رُوحُ الدِّينِ وَمَقْصِدُهُ وَهُوَ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَكَوْنُهُ آيَةَ الْإِيمَانِ، وَتَرْكُهُ آيَةُ النِّفَاقِ وَالْكُفْرَانِ.
وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ بِالْهُدَى وَالْعَمَلِ كَيْفِيَّةَ الْأَخْذِ وَقَدْرَ الْمَأْخُوذِ وَسَائِرَ الْأَحْكَامِ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ شُبْهَةً لِإِبْطَالِ الْكِتَابِ وَالْهُرُوبِ مِنَ الِاهْتِدَاءِ بِهِ، وَلَكِنَّ الْمَخْذُولِينَ لَمَّا تَرَكُوا الِاهْتِدَاءَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَجَعَلُوا عِبَارَاتِ الْكُتُبِ الَّتِي صَنَّفُوهَا هِيَ مَآخِذَ الدِّينِ وَيَنَابِيعَهُ صَارُوا يَحْتَالُونَ فِي تَطْبِيقِ أَعْمَالِهِمْ عَلَى تِلْكَ الْعِبَارَاتِ الْمَخْلُوقَةِ، فَيَكْتُبُ أَحَدُهُمْ مَثَلًا: تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى مَالِكِ النِّصَابِ إِذَا تَمَّ الْحَوْلُ وَهُوَ مَالِكٌ لَهُ، ثُمَّ يَعْمَدُ هُوَ وَغَيْرُهُ إِلَى تَطْبِيقِ دِينِهِ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَاتِ فَيَهَبُ مَالَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلَى امْرَأَتِهِ وَلَوْ مَعَ الِاشْتِرَاطِ عَلَيْهَا أَنْ تُعِيدَهُ لَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِحَسَبِ نَصِّ الْكِتَابِ الَّذِي سَمَّاهُ فِقْهًا، وَيَدُكُّ بِكَلِمَةِ كِتَابِهِ الْمَخْلُوقِ كِتَابَ اللهِ الْقَدِيمَ، وَسُنَّةَ رَسُولِهِ الْحَكِيمِ، وَحِكْمَةَ دِينِهِ الْقَوِيمِ، وَيَزْعُمُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ بِاللهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ، بَلْ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَالِمٌ فَقِيهٌ فِي الدِّينِ، يَجِبُ تَقْلِيدُهُ وَاتِّبَاعُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَرُبَّمَا يَتَبَجَّحُ إِذَا سَمِعَ أَوْ قَرَأَ قَوْلَهُ - ﷺ -: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا فَفَقَّهَهُ فِي الدِّينِ، وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةٌ «وَيُلْهِمُهُ رُشْدَهُ» .
فَيَا أَهْلَ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي لَمْ يُفْسِدْهَا فِقْهُ هَؤُلَاءِ الْمُحْتَالِينَ عَلَى اللهِ لِهَدْمِ دِينِهِ أَفْتُونَا:
96
المجلد
العرض
89%
الصفحة
96
(تسللي: 497)