اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
هَلِ الْعِلْمُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحِيلَةِ يَنْطَبِقُ عَلَى أُصُولِ الْبِرِّ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَعَلَى الْفِقْهِ وَالرُّشْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّبِيُّ فِي حَدِيثِهِ هَذَا، أَمْ هَذِهِ فِتْنَةٌ مِنْ فِتَنِ التَّقْلِيدِ وَأَخْذِ الدِّينِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُحْدَثَةِ دُونَ كِتَابِ اللهِ الْمَجِيدِ؟
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) وَهَذَا انْتِقَالٌ مِنَ الْبِرِّ فِي الْأَعْمَالِ إِلَى الْبِرِّ فِي الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، فَذَكَرَ مِنْهَا مَا هُوَ أَهَمُّ أُصُولِ الْبِرِّ وَهُوَ الْوَفَاءُ وَالصَّبْرُ بِضُرُوبِهِ الْمُبَيَّنَةِ بَعْدُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْأَعْمَالَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ وَالْأَخْلَاقَ بِصِيغَةِ الْوَصْفِ ; لِأَنَّ الْأَعْمَالَ أَفْعَالٌ، وَالْأَخْلَاقَ صِفَاتٌ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَوْفَى وَصَبْرَ تَكَلُّفًا لَا يَكُونُ بَارًّا حَتَّى يَصِيرَ الْوَفَاءُ وَالصَّبْرُ مِنْ أَخْلَاقِهِ وَلَوْ بِتَكْرَارِ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَمُّلِ، فَقَدْ وَرَدَ «الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ» وَقَدَّمَ مَا ذَكَرَ مِنَ الْأَعْمَالِ عَلَى هَذِهِ الْأَخْلَاقِ ; لِأَنَّ الْأَعْمَالَ
هِيَ الَّتِي تَطْبَعُ الْأَخْلَاقَ فِي النُّفُوسِ، وَلَا سِيَّمَا الصَّلَاةُ وَبَذْلُ الْمَالِ، فَلَا أَعَوْنَ مِنْهُمَا عَلَى الْوَفَاءِ وَالصَّبْرِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الْعَهْدُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَلْتَزِمُ بِهِ الْمَرْءُ لِآخَرَ، وَهُوَ بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ مَا عَاهَدَ الْمُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ اللهَ بِإِيمَانِهِمْ مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالْإِذْعَانِ لِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ دِينُهُ، وَيُذْكَرُ الْعَهْدُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرًا وَيُرَادُ بِهِ فِي الْغَالِبِ مَا يُعَاهِدُ بِهِ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ، وَيُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهَذَا الْعَهْدِ أَلَّا يَكُونَ فِي مَعْصِيَةٍ. وَفِي مَعْنَى الْعُهُودِ الْعُقُودُ وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْوَفَاءِ بِهَا، فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَلْتَزِمَ الْوَفَاءَ بِمَا يَتَعَاقَدُ عَلَيْهِ مَعَ النَّاسِ مَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِأَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ الثَّابِتِ عِنْدَهُ، وَلِقَوَاعِدِ الدِّينِ الْعَامَّةِ.
وَهَذَا الْأَمْرُ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْهُ، وَهُوَ مَعْقُولُ الْفَائِدَةِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ: إِنَّ كُلَّ الْتِزَامٍ يُخَالِفُ أُصُولَ الْقَوَانِينِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَاهِدَ الْإِنْسَانُ أَحَدًا أَوْ يُعَاقِدَهُ عَلَى أَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلدِّينِ لَا بِنِيَّةِ الْوَفَاءِ وَلَا بِنِيَّةِ الْغَدْرِ، وَالنَّقْضُ الْأَوَّلُ مَعْصِيَةٌ، وَالثَّانِي مَعْصِيَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ ; لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الْغَدْرِ وَالْغِشِّ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْبِرُّ فِي الْإِيفَاءِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَرْءُ يُوفِي مِنْ نَفْسِهِ بِدُونِ إِلْزَامِ حَاكِمٍ يَقَعُ أَوْ يُتَوَقَّعُ إِذَا هُوَ لَمْ يُوفِ، أَوْ خَوْفِ أَيِّ جَزَاءٍ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْحُكَّامِ، فَمَنْ أَوْفَى خَوْفًا مِنْ إِهَانَةٍ تُصِيبُهُ أَوْ ذَمٍّ يَلْحَقُ بِهِ فَهُوَ غَيْرُ بَارٍّ، وَلَا هُوَ مِنَ الْمُوفِينَ بِالْعُهُودِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مِثَالُهُ: إِنَّ الْإِيفَاءَ بِالْعُهُودِ وَالْعُقُودِ مِنْ أَهَمِّ الْفَرَائِضِ الَّتِي فَرَضَهَا اللهُ تَعَالَى لِنِظَامِ الْمَعِيشَةِ وَالْعُمْرَانِ، وَإِنَّمَا الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ مِنْ وَسَائِلِهِ - وَالزَّكَاةُ فَرْعٌ مِنْهُ فِي وَجْهٍ آخَرَ - فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَيْنَا الصَّلَاةَ - وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ - لِنُؤَدِّبَ بِهَا نُفُوسَنَا فَنَعِيشَ فِي الدُّنْيَا عِيشَةً رَاضِيَةً، وَنَسْتَحِقَّ بِذَلِكَ عِيشَةَ الْآخِرَةِ الْمَرْضِيَّةَ ; إِذِ الْمُصَلِّي أَجْدَرُ النَّاسِ بِالْقِيَامِ بِحُقُوقِ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ هُمْ عِيَالُ اللهِ بِمَا يَسْتَوْلِي عَلَى قَلْبِهِ فِيهَا مِنَ الشُّعُورِ بِسُلْطَانِ اللهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ وَفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَعُمُومِ هَذَا السُّلْطَانِ وَالْإِحْسَانِ لَهُ وَلِلنَّاسِ كَافَّةً، وَالْغَدْرُ
97
المجلد
العرض
89%
الصفحة
97
(تسللي: 498)