أيقونة إسلامية

دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد

عيسي بن محسن بن عيسى النعمي
دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد - عيسي بن محسن بن عيسى النعمي
ممكنًا لذاته في وقتٍ آخر؛ دون سبب حادثٍ تعلق به فجعله ممكنًا. لذا يقول الفيلسوف ابن رشد الحفيد - مُفوِّقًا سهامه لهذا القول -: (إذا فرضنا أن العالم مُحْدَثٌ لزم - كما يقولون - أن يكون له - ولا بُدَّ - فاعل مُحْدِث. ولكن يَعْرضُ في وجود هذا المحدث شكٌّ؛ ليس في قوة صناعة الكلام الانفصال عنه، وذلك أن هذا المُحْدِث لسنا نقدر أن نجعله أزليًا، ولا محدثًا. أما كونه محدثًا؛ فلأنه يفتقر إلى مُحْدِث، وذلك المُحدِث إلى محدث، ويمر الأمر إلى غير نهاية، وذلك مستحيل.
وأمَّا كونه أزليًا؛ فإنه يجب أن يكون فعله بالمفعولات أزليًا، فتكون المفعولات أزلية، والحادث يجب أن يكون وجوده متعلقًا بفعل حادث. اللهم إلَاّ لو سلموا أنه يوجد فعل حادث عن فاعل قديم، فإن المفعول لا بد أن يتعلق به فعل الفاعل، وهم لا يسلمون ذلك؛ فإن من أُصولهم أنّ المقارن للحوادث حادث.
وأيضًا: إن كان الفاعِلُ حينًا يفعل، وحينًا لا يفعل = وجب أن تكون هنالك علة صيَّرته بإحدى الحالتين أولى منه بالأخرى، فَيُسأل أيضًا في تلك العلة مثلُ هذا السؤال، وفي عِلّة العِلّة، فيمر الأمر إلى غير نهاية.
وما يقوله المتكلمون في جواب هذا، من أن الفعل الحادث كان بإرادة قديمة، ليس بمُنجٍ ومُخلِّص من هذا الشك؛ لأن الإرادة غير الفعل المتعلق بالمفعول، وإذا كان المفعول حادثًا فواجب أن يكون الفعل المتعلق بإيجاده حادثًا ...) (^١) .
وما ذكره ابن رشد مُلزِمٌ للمُتكلمين، وإن كان ما يَرْمي إليه ابن رشد من إلزامه أشنع مما يقصده المتكلمون؛ فإنَّ ابن رشد يتوخَّى إثبات قِدَم
_________
(^١) "الكشف عن مناهج الأدلة" (١٠٣ - ١٠٤) .
602
المجلد
العرض
66%
الصفحة
602
(تسللي: 580)