اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط البيان

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط البيان - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
قَالُوا: وَالْأَسْمَاءُ الشَّرْعِيَّةُ قَدْ تَكُونُ أَعَمَّ مِنْ اللُّغَوِيَّةِ وَقَدْ تَكُونُ أَخَصَّ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالْحَدِّ مِنْ الزِّنَا، فَإِنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ لَا يُسْتَبَاحُ بِحَالٍ، وَالدَّاعِي إلَيْهِ قَوِيٌّ، فَهُوَ أَوْلَى بِوُجُوبِ الْحَدِّ، فَيَكُونُ نِصَابُهُ نِصَابَ حَدِّ الزِّنَا.
وَقِيَاسُ قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى فِيهِ الْحَدَّ - بَلْ التَّعْزِيرَ - أَنْ يُكْتَفَى فِيهِ بِشَاهِدَيْنِ، كَسَائِرِ الْمَعَاصِي الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا، وَصَرَّحَتْ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ.
وَقِيَاسُ قَوْلِ مَنْ جَعَلَ حَدَّهُ الْقَتْلَ بِكُلِّ حَالٍ - مُحْصَنًا كَانَ أَوْ بِكْرًا - أَنْ يُكْتَفَى فِيهِ بِشَاهِدَيْنِ، كَالرِّدَّةِ وَالْمُحَارَبَةِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ، لَكِنْ صَرَّحُوا بِأَنَّ حَدَّ اللِّوَاطِ لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ عُقُوبَتَهُ عُقُوبَةُ الزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَهُوَ الرَّجْمُ بِكُلِّ حَالٍ.
وَقَدْ يَحْتَجُّ عَلَى اشْتِرَاطِ نِصَابِ الزِّنَا فِي حَدِّ اللِّوَاطِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى لِقَوْمِ لُوطٍ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] وَقَالَ فِي الزِّنَا: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] .
وَبِالْجُمْلَةِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا أَوْ الرَّجْمَ بِكُلِّ حَالٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ أَوْ إقْرَارٍ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَزْمٍ: فَاكْتَفَيَا فِيهِ بِشَاهِدَيْنِ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمَا. وَأَمَّا الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ بِهَا، فَهَلْ يُكْتَفَى فِيهِ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ: فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، فَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْأَرْبَعَةَ قَالَ: إقَامَةُ الْحَدِّ إنَّمَا هِيَ مُسْتَنِدَةٌ إلَى الْإِقْرَارِ. فَالشَّهَادَةُ عَلَيْهِ وَالْإِقْرَارُ يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، وَمَنْ اشْتَرَطَ الْأَرْبَعَةَ قَالَ: الْإِقْرَارُ كَالْفِعْلِ، فَكَمَا أَنَّنَا لَا نَكْتَفِي فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْفِعْلِ إلَّا بِأَرْبَعَةٍ، فَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى الْقَوْلِ.
يُوَضِّحُهُ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ، فَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ الْمُوجِبُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَرْبَعَةٍ، فَالْقَوْلُ الْمُوجِبُ كَذَلِكَ.
قَالَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَخِيرِ: الْفِعْلُ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ، وَالْقَوْلُ دَالٌّ عَلَى الْفِعْلِ الْمُوجِبِ، فَبَيْنَهُمَا مَرْتَبَةٌ.
قَالَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْآخَرِ: لَا تَأْثِيرَ لِذَلِكَ، وَإِذَا كُنَّا لَا نَحُدُّهُ إلَّا بِإِقْرَارِ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ، فَلَا نَحُدُّهُ إلَّا بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ عَلَى الْإِقْرَارِ.

[فَصْلٌ فِي إتْيَانُ الْبَهِيمَةِ وَمَا يَجِب فِيهِ أَرْبَعَة شُهُود]
٧٤ - (فَصْلٌ)
138
المجلد
العرض
49%
الصفحة
138
(تسللي: 136)