اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط البيان

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط البيان - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
بِوُقُوعِهِ بِمُجَرَّدِ النُّكُولِ مِنْ غَيْرِ شَاهِدٍ، فَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا الطَّلَاقَ، وَأَحْلَفْنَاهُ لَهَا - عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ - فَنَكَلَ: قَضَى عَلَيْهِ فَإِذَا أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا، وَلَمْ يَحْلِفْ الزَّوْجُ عَلَى عَدَمِ دَعْوَاهَا: فَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَوْلَى. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الزَّوْجِ بِالنُّكُولِ إلَّا إذَا أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ شَاهِدًا، كَمَا هُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهَا مَعَ النُّكُولِ، لَكِنْ مَنْ يَقْضِي عَلَيْهِ بِهِ يَقُولُ: النُّكُولُ إمَّا إقْرَارٌ وَإِمَّا بَيِّنَةٌ، وَكِلَاهُمَا يُحْكَمُ بِهِ، وَلَكِنْ يُنْتَقَضُ هَذَا عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فِي دَعْوَى الْقِصَاصِ. وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ النُّكُولَ بَذْلٌ اسْتَغْنَى بِهِ فِيمَا يُبَاحُ بِالْبَذْلِ، وَهُوَ الْأَمْوَالُ وَحُقُوقُهَا، بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ النُّكُولَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيِّنَةِ، فَلَمَّا أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا - وَهُوَ شَطْرُ الْبَيِّنَةِ - كَانَ النُّكُولُ قَائِمًا مَقَامَ تَمَامِهَا. وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَذَاهِبَ النَّاسِ فِي الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
فَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ فِي تَفْرِيعِهِ: إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ الطَّلَاقَ عَلَى زَوْجِهَا لَمْ تَحْلِفْ بِدَعْوَاهَا، فَإِذَا أَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدًا وَاحِدًا لَمْ تَحْلِفْ مَعَ شَاهِدِهَا، وَلَمْ يَثْبُتْ الطَّلَاقُ عَلَى زَوْجِهَا. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا يُعْلَمُ فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، قَالَ: وَلَكِنْ يَحْلِفُ لَهَا زَوْجُهَا، فَإِنْ حَلَفَ: بَرِئَ مِنْ دَعْوَاهَا.
قُلْتُ: هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَحْلِفُ لِدَعْوَاهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَحْلِفُ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْلِفُ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ قُلْنَا: يَحْلِفُ فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ: فَهَلْ يَقْضِي عَلَيْهِ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ بِالنُّكُولِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ. إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ بِالشَّاهِدِ وَالنُّكُولِ، عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَشْهَبَ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، لِأَنَّ الشَّاهِدَ وَالنُّكُولَ سَبَبَانِ مِنْ جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، يَقْوَى جَانِبُ الْمُدَّعَى بِهِمَا، فَحُكِمَ لَهُ، فَهَذَا مُقْتَضَى الْأَثَرِ وَالْقِيَاسِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْهُ: أَنَّ الزَّوْجَ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حُبِسَ، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ تُرِكَ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: هَلْ يَقْضِي بِالنُّكُولِ فِي دَعْوَى الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَلَا أَثَرَ عِنْدَهُ لِإِقَامَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ.
وَاخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ، فَقَالَ مَرَّةً: يُحْبَسُ حَتَّى يَطُولَ أَمْرُهُ، وَحَدَّ ذَلِكَ بِسَنَةٍ، ثُمَّ يُطَلِّقُ، وَمَرَّةً قَالَ: يُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ.

[فَصَلِّ الطَّرِيق الْعَاشِر فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِين الْمُدَّعِي فِي الْأَمْوَال]
٧٠ - (فَصْلٌ)
134
المجلد
العرض
48%
الصفحة
134
(تسللي: 132)