اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط البيان

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط البيان - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
وَهَذَا الْمَسْلَكُ الْبَاطِلُ يَسْلُكُهُ مَنْ يُخَالِفُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَيْضًا، فَإِذَا جَاءَهُمْ حَدِيثٌ خِلَافُ قَوْلِهِمْ، قَالُوا: هَذَا حَدِيثٌ يُخَالِفُ الْأُصُولَ فَلَا يُقْبَلُ.
وَالْمُحَكِّمُونَ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ يَرَوْنَ هَذِهِ الْآرَاءَ وَأَمْثَالَهَا مِنْ أَبْطَلْ الْبَاطِلِ؛ لِمُخَالَفَتِهَا لِلْأُصُولِ الَّتِي هِيَ كِتَابُ اللَّهِ، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ - ﷺ - فَهَذِهِ الْآرَاءُ هِيَ الْمُخَالِفَةُ لِلْأُصُولِ حَتْمًا، فَهِيَ بَاطِلَةٌ قَطْعًا، عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، مُسْتَغْنٍ عَنْ نَظِيرٍ يَلْحَقُ بِهِ.
وَنَحْنُ نُجِيبُكُمْ عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ أَجْوِبَةً مُفَصَّلَةً، فَنَقُولُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: إنَّهَا تَتَضَمَّنُ شَهَادَةَ الْكَافِرِ، وَلَا شَهَادَةَ لَهُ. قُلْنَا: كَيْفَ يَقُولُ هَذَا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُمْ يُجِيزُونَ شَهَادَةَ الْكَافِرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ؟ . أَمْ كَيْفَ يَقُولُهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَهُمْ يُجِيزُونَ شَهَادَةَ طَبِيبَيْنِ كَافِرَيْنِ حَيْثُ لَا يُوجَدُ طَبِيبٌ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، فَهَلَّا أَجَازُوا شَهَادَةَ كَافِرَيْنِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ، حَيْثُ لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ؟ . أَمْ كَيْفَ يَقُولُهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَهُمْ يَرَوْنَ نَصَّ الشَّافِعِيِّ صَرِيحًا: " إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَخُذُوا بِهِ، وَدَعُوا قَوْلِي " وَفِي لَفْظٍ لَهُ " فَأَنَا أَذْهَبُ إلَيْهِ " وَفِي لَفْظٍ " فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي عَرْضَ الْحَائِطِ ".
وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَجَاءَ بِهِ نَصُّ كِتَابِ اللَّهِ، وَعَمِلَ بِهِ الصَّحَابَةُ. وَقَوْلُكُمْ: الشَّاهِدَانِ لَا يُحْبَسَانِ، لَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا: السِّجْنُ الَّذِي يُعَاقَبُ بِهِ أَهْلُ الْجَرَائِمِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ: إمْسَاكُهُمَا لِلْيَمِينِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ يَصْبِرُ لِلْيَمِينِ، أَيْ يُمْسَكُ لَهَا، وَفِي الْحَدِيثِ «وَلَا تُصْبِرْ يَمِينَهُ حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ» .
وَقَوْلُكُمْ: يَتَضَمَّنُ تَحْلِيفَ الشَّاهِدَيْنِ: وَالشَّاهِدُ لَا يَحْلِفُ، فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الشَّاهِدِ الَّذِي شَهَادَتُهُ بَدَلٌ عَنْ شَهَادَةِ الْمُسْلِمِ لِلضَّرُورَةِ - لَا يَحْلِفُ؟ فَأَيُّ كِتَابٍ، أَمْ أَيَّةُ سُنَّةٍ جَاءَتْ بِذَلِكَ؟ وَقَدْ حَلَّفَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمَرْأَةَ الَّتِي شَهِدَتْ بِالرَّضَاعِ، وَذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي تَحْلِيفِ الشُّهُودِ الْمُسْلِمِينَ إذَا ارْتَابَ فِيهِمْ الْحَاكِمُ، وَمَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ السَّلَفِ وَقُضَاةِ الْعَدْلِ.
وَقَوْلُكُمْ: فِيهِ شَهَادَةُ الْمُدَّعِينَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَالْحُكْمُ لَهُمْ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمْ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الْأَيْمَانَ لَهُمْ عِنْدَ ظُهُورِ اللَّوْثِ بِخِيَانَةِ الْوَصِيَّيْنِ، فَشَرَعَ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا وَيَسْتَحِقَّا، كَمَا شَرَعَ لِمُدَّعِي الدَّمِ فِي الْقَسَامَةِ أَنْ يَحْلِفُوا وَيَسْتَحِقُّوا دَمَ وَلِيِّهِمْ، لِظُهُورِ اللَّوْثِ، فَكَانَتْ الْيَمِينُ لِقُوَّتِهَا بِظُهُورِ
159
المجلد
العرض
57%
الصفحة
159
(تسللي: 157)