اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط البيان

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط البيان - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
الْخَامِسُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ نِتَاجِ الْحَيَوَانِ: إنَّمَا هُوَ الْمَالُ الْمُجَرَّدُ، فَدَعْوَاهُ دَعْوَى مَالٍ مَحْضٍ، بِخِلَافِ دَعْوَى النَّسَبِ، فَأَيْنَ دَعْوَى الْمَالِ مِنْ دَعْوَى النَّسَبِ؟ وَأَيْنَ أَسْبَابُ ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا مِنْ أَسْبَابِ ثُبُوتِ الْآخَرِ؟ .
السَّادِسُ: أَنَّ الْمَالَ يُبَاحُ بِالْبَذْلِ، وَيُعَارَضُ عَلَيْهِ، وَيَقْبَلُ النَّقْلَ، وَتَجُوزُ الرَّغْبَةُ عَنْهُ، وَالنَّسَبُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
السَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ بَيْنَ أَشْخَاصِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْفُرُوقِ فِي صُوَرِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ وَحِلَاهُمْ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَلَا يَقَعُ مَعَهُ الِاشْتِبَاهُ بَيْنَهُمْ، بِحَيْثُ يَتَسَاوَى الشَّخْصَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إلَّا فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْفَرْقِ وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ بَيْنَ أَشْخَاصِ الْحَيَوَانِ، بَلْ التَّشَابُهُ فِيهِ أَكْبَرُ وَالتَّمَاثُلُ أَغْلَبُ، فَلَا يَكَادُ الْحِسُّ يُمَيِّزُ بَيْنَ نِتَاجِ الْحَيَوَانِ وَنِتَاجِ غَيْرِهِ بِرَدِّ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى أُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَقَعُ ذَلِكَ، لَكِنَّ وُقُوعَهُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَشْخَاصِ الْآدَمِيِّ، فَإِلْحَاقُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُمْتَنِعٌ.
الثَّامِنُ: قَوْلُهُمْ: " إنَّ الِاعْتِمَادَ فِي الْقَافَةِ عَلَى الشَّبَهِ، وَهُوَ أَمْرٌ مُدْرَكٌ بِالْحِسِّ فَإِنْ حَصَلَ بِالْمُشَاهَدَةِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقَائِفِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْقَائِفِ ".
جَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: الْأُمُورُ الْمُدْرَكَةُ بِالْحِسِّ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَالْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ تَفَرُّدُ الْمُخْبِرِ وَالشَّاهِدِ بِمَا لَا يُدْرِكُهُ النَّاسُ مَعَهُ.
وَالثَّانِي: مَا لَا يَلْزَمُ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ، كَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَمَعْرِفَةِ الْأَوْقَاتِ، وَأَخْذِ كُلٍّ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، مِنْ تَعْدِيلِ الْقِسْمَةِ، وَكِبَرِ الْحَيَوَانِ وَصِغَرِهِ، وَالْخَرْصِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا مُسْتَنَدُهُ الْحِسُّ وَلَا يَجِبُ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ. وَمِنْ هَذَا: التَّشَابُهُ - بَلْ وَالتَّمَاثُلُ - بَيْنَ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّ التَّشَابُهَ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ يَظْهَرُ فِي صُورَةِ الطِّفْلِ وَشَكْلِهِ، وَهَيْئَةِ أَعْضَائِهِ، ظُهُورًا خَفِيًّا، يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْقَائِفُ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَعْرِفُ ذَلِكَ لِبَنِي مُدْلِجٍ، وَتُقِرُّ لَهُمْ بِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِمْ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْقَائِفِ مِنْهُمْ.
قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ الْقَائِفِ: هَلْ يُقْضَى بِقَوْلِهِ؟ قَالَ: يُقْضَى بِقَوْلِهِ إذَا عَلِمَ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَشَرَطَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كَوْنَهُ مُدْلِجِيًّا، وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبٍ: " كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ، فَجَاءَهُ رَجُلَانِ فِي غُلَامٍ، كِلَاهُمَا يَدَّعِي أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: اُدْعُوا لِي أَخَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَجَاءَ فَقَالَ: اُنْظُرْ ابْنَ أَيِّهِمَا تَرَاهُ؟ فَقَالَ: قَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ " وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْخَبَرِ، وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ بَطْنٌ مِنْ خُزَاعَةَ لَا نَسَبَ لَهُمْ فِي بَنِي مُدْلِجٍ.
192
المجلد
العرض
69%
الصفحة
192
(تسللي: 190)