اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط البيان

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط البيان - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
الدَّيْنِ، وَقِيلَ: يَبِيعُ هَاهُنَا بِالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرَى الْحَجْرَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْعَامِّ، وَالسِّعْرُ لَمَّا غَلَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَطَلَبُوا مِنْهُ التَّسْعِيرَ فَامْتَنَعَ، لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مَنْ عِنْدَهُ طَعَامٌ امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ، بَلْ عَامَّةُ مَنْ كَانَ يَبِيعُ الطَّعَامَ إنَّمَا هُمْ جَالِبُونَ يَبِيعُونَهُ إذَا هَبَطُوا السُّوقَ، وَلَكِنْ «نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ» أَيْ أَنْ يَكُونَ لَهُ سِمْسَارٌ.
وَقَالَ: «دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» فَنَهَى الْحَاضِرَ الْعَالَمَ بِالسِّعْرِ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِلْبَادِي الْجَالِبِ لِلسِّلْعَةِ، لِأَنَّهُ إذَا تَوَكَّلَ لَهُ - مَعَ خِبْرَتِهِ بِحَاجَةِ النَّاسِ - أَغْلَى الثَّمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي فَنَهَاهُ عَنْ التَّوَكُّلِ لَهُ، مَعَ أَنَّ جِنْسَ الْوَكَالَةِ مُبَاحٌ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ زِيَادَةِ السِّعْرِ عَلَى النَّاسِ، وَنَهَى عَنْ تَلَقِّي الْجَلْبِ، وَجَعَلَ لِلْبَائِعِ إذَا هَبَطَ السُّوقَ الْخِيَارَ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ ضُرِّ الْبَائِعِ هُنَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ عَرَفَ السِّعْرَ، وَتَلَقَّاهُ الْمُتَلَقِّي قَبْلَ إتْيَانِهِ إلَى السُّوقِ اشْتَرَاهُ الْمُشْتَرِي بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَغَبَنَهُ، فَأَثْبَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِهَذَا الْبَائِعِ الْخِيَارَ. ثُمَّ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَمَا تَقَدَّمَ، إحْدَاهُمَا: أَنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ لَهُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ غَبَنَ أَمْ لَمْ يَغْبِنْ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ عِنْدَ الْغَبْنِ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الْمُشْتَرِي إذَا تَلَقَّاهُ الْمُتَلَقِّي، فَاشْتَرَى مِنْهُ، ثُمَّ بَاعَهُ وَفِي الْجُمْلَةِ: فَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ الَّذِي جِنْسُهُ حَلَالٌ، حَتَّى يَعْلَمَ الْبَائِعُ بِالسِّعْرِ، وَهُوَ ثَمَنُ الْمِثْلِ، وَيَعْلَمَ الْمُشْتَرِي بِالسِّلْعَةِ.
وَصَاحِبُ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ يَقُولُ: لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيَ حَيْثُ شَاءَ، وَقَدْ اشْتَرَى مِنْ الْبَائِعِ، كَمَا يَقُولُ: فَلَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِلْبَائِعِ الْحَاضِرِ وَغَيْرِ الْحَاضِرِ، وَلَكِنَّ الشَّارِعَ رَاعَى الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ، فَإِنَّ الْجَالِبَ إذَا لَمْ يَعْرِفْ السِّعْرَ كَانَ جَاهِلًا بِثَمَنِ الْمِثْلِ، فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي غَارًّا لَهُ. وَأَلْحَقَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بِذَلِكَ كُلَّ مُسْتَرْسِلٍ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْجَالِبِ الْجَاهِلِ بِالسِّعْرِ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ: أَلَّا يَبِيعَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ إلَّا بِالسِّعْرِ الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ ثَمَنُ الْمِثْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُحْتَاجِينَ إلَى الِابْتِيَاعِ مِنْهُ، لَكِنْ لِكَوْنِهِمْ جَاهِلِينَ بِالْقِيمَةِ، أَوْ غَيْرَ مُمَاكِسِينَ، وَالْبَيْعُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرِّضَا، وَالرِّضَا يَتْبَعُ الْعِلْمَ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ غَبْنٌ فَقَدْ يَرْضَى، وَقَدْ لَا يَرْضَى، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ غَبْنٌ وَرَضِيَ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
221
المجلد
العرض
79%
الصفحة
221
(تسللي: 219)