أيقونة إسلامية

شمول مفهوم السنة لتصرفات

صلاح أبو الحاج
شمول مفهوم السنة لتصرفات - صلاح أبو الحاج

المطلب الثاني: في اكتفاء الصحابة - رضي الله عنهم - بفتواهم في الدلالة على السنة:

إلا حديثاً واحداً»، وقال مسروق: «كان عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - يأتي عليه الحول قبل أن يُحدِّثنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحديث»، وقال ابن أبى ليلى: «كنا إذا أتينا زيد بن أرقم - رضي الله عنه - فقلنا له حدثنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إنّا قد كبرنا ونَسينا» (¬1).
وهذا الفعلُ منهم - رضي الله عنهم - لشدّةِ وَرِعهم وخوفهم من الله - عز وجل - وتورُّعاً أن يقع عليهم النهي الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» (¬2).
وسبب قلّة الرواية عن كبار الصحابة - رضي الله عنهم - من المجتهدين: أنَّهم كانوا يُرجِّحون فيما استقرَّ عليه الشرع وما هو الناسخ من المنسوخ وما يعمل به وما لا يعمل به، ويكتفون ببيان ذلك في سلوكهم وفتاويهم دون الحاجة إلى رواية الحديث، ولا يرون حاجة إلى رواية كلّ ما سمعوه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا مسلك المجتهدين فيما بعد كأبي حنيفة ومالك؛ لذلك اقتصر مالك إجمالاً في موطئه على المعمول به عنده (¬3)، بخلاف
¬__________
(¬1) ينظر هذه النصوص وغيرها في ابن الجوزي، الموضوعات،1: 93 في استدلاله على الاحتياط في الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وشدتها.
(¬2) مسلم، الصحيح، 4: 2298.
(¬3) وهذا ما قرَّره السيد أحمد الغُماري، فقال: الموطأ هو كتاب الإمام الذي ألفه بيده، وخرج فيه لنفسه ما رآه واختار العلم به من الأحاديث وآثار الصحابة والتابعين، وترجم لذلك بما أداه إليه اجتهاده، وقصد بالكتاب أن يكون أصلاً لمذهبه ومرجعاً لدلائله، ولم يقصد أن يجعله ديواناً عاماً يجمع ما ورد من السنن والآثار، ما أخذ به منها وما لم يؤخذ به، إذا لو فعل ذلك لكتب فيه آلافاً مؤلفة من الأخبار والآثار على سعة حفظه وامتداد باعه، ولجاء في عدة مجلدات ككتب غيره من الأئمة والحفاظ الذي قصدوا استيعاب السنن والآثار على حسب ما بلغهم، فلمّا لم يفعل ذلك ومكث في تنقيحه وتهذيبه نحو أربعين سنة، إلى أن ترك فيه من الأحاديث المرفوعة ما لا يبلغ السبعمئة، دلَّ على أنَّه ما ذكر فيه إلا اختياره ومذهبه، كما أنَّه يترجم للمسألة وفيها الحديث الصحيح باتفاق، فلا يورده لكونه غير عامل به لدليل أوجب له ذلك، ويذكر في مقابله أثر موقوفاً أو مقطوعاً، وهو أدل دليل على أنَّه لم يقصد بتدوينه إلا ذكر ما هو اختياره ومذهبه ... ينظر: ممدوح، التعريف بأوهام مَن قسم السنن إلى صحيح وضعيف،1: 50ـ52 عن المثنوي والبتار1: 74، 75.
المجلد
العرض
66%
تسللي / 65