اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط البيان

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط البيان - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
رِوَايَتَانِ، ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ، إحْدَاهُمَا: تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي، هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْقُرْعَةَ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا بَيِّنَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ - ﵄ -، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدِيمُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُسَيِّبِ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي أَمْرٍ، وَجَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشُهُودٍ عُدُولٍ عَلَى عِدَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَسْهَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَهُمَا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ "، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ حُجَّتَانِ تَعَارَضَتَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَسَقَطَتَا كَالْخَبَرَيْنِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تُسْتَعْمَلُ الْبَيِّنَتَانِ، وَفِي كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِهِمَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: تَقْسِيمُ الْعَيْنِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَحَمَّادٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي بَعِيرٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ» وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي دَعْوَاهُمَا، فَتَسَاوَيَا فِي قِسْمَتِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تُقَدَّمُ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ. وَلَهُ قَوْلٌ رَابِعٌ، يُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ الْأَمْرُ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ، كَالْحَاكِمِ إذَا لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ الْحُكْمُ فِي الْقَضِيَّةِ.
وَلَنَا: الْخَبَرَانِ، وَإِنَّ تَعَارُضَ الْحُجَّتَيْنِ لَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ كَالْخَبَرَيْنِ بَلْ إذَا تَعَذَّرَ التَّرْجِيحُ أَسْقَطْنَاهُمَا، وَرَجَعْنَا إلَى دَلِيلِ غَيْرِهِمَا.
قُلْت: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا، فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُهُ حَلَفَ لَقَدْ شَهِدَ شُهُودُهُ بِحَقٍّ، ثُمَّ يُقْضَى لَهُ، وَكَانَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ يَرَى ذَلِكَ، وَيَرْوِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالْكُوفِيُّونَ يَرْوُونَهُ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - وَحَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «اخْتَصَمَ رَجُلَانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي أَمْرٍ، فَجَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشُهَدَاءَ عُدُولٍ عَلَى عِدَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَسْهَمَ بَيْنَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ تَقْضِي بَيْنَهُمَا، فَقَضَى لِلَّذِي خَرَجَ لَهُ السَّهْمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي " الْمَرَاسِيلِ "، وَيُقَوِّيهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشُهُودٍ، وَكَانُوا سَوَاءً، فَأَسْهَمَ بَيْنَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -» فَهَذَا مُرْسَلٌ قَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَهُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَتَشْهَدُ لَهُ الْأُصُولُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْقُرْعَةِ، وَالْمَصِيرُ إلَيْهِ مُتَعَيَّنٌ.
273
المجلد
العرض
98%
الصفحة
273
(تسللي: 271)